أطلق البرلمان تحركاً تشريعياً يستهدف فرض عقوبات مالية غير مسبوقة على أولياء الأمور، بدعوى محاصرة ظاهرة التسرب الدراسي، متجاهلاً تدهور البيئة المدرسية وتصاعد معدلات الفقر التي تحاصر ملايين الأسر المصرية العاجزة عن توفير نفقات المعيشة.
​
​
وفي المقابل، يعكس هذا التوجه رغبة السلطة في تحويل أزمات المنظومة إلى أداة جباية مباشرة، تلاحق الفئات المطحونة قانونياً، بدلاً من معالجة عجز الموازنة المزمن وتوفير الدعم الاجتماعي الحقيقي للفئات الأكثر تضرراً من الغلاء.
​
​
عقوبات مالية تتجاهل كوارث المنظومة المنهارة
​
​
واستناداً إلى المقترح المقدم من النائب جرجس لاوندي، يتجه البرلمان لتعديل أحكام القانون رقم 139 لسنة 1981، عبر تشديد الجزاءات على عائلات الطلاب الممتنعين عن الحضور، لتصل الغرامة القصوى إلى نحو 50000 جنيه مصري.
​
​
في حين قفزت العقوبة المقترحة من مجرد 10 جنيهات في القانون القديم إلى عشرات الآلاف، تبرر المذكرة الإيضاحية هذه الخطوة بتآكل القيمة المالية القديمة، دون الالتفات إلى تآكل دخول المواطنين تحت وطأة الأزمة الاقتصادية الخانقة.
​
​
وبناءً عليه، يرى الباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية الدكتور كمال مغيث أن المنطق العقابي يعالج النتائج ويتعامى عن المقدمات، مؤكداً أن بيئة الفصول الطاردة وتكدس التلاميذ هما الدافع الحقيقي وراء ترك المدارس والهروب منها.
​
​
علاوة على ذلك، يتجاهل التشريع الجديد اضطرار الأسر الفقيرة للدفع بأبنائها إلى سوق العمل غير المنظم، لتأمين القوت اليومي، حيث تصبح الغرامات المالية عبئاً مدمراً يقود الآباء نحو السجون وأروقة المحاكم بدلاً من الإصلاح.
​
​
ومن هذا المنطلق، تواصل سياسات قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي التخلي التدريجي عن مجانية التعليم وخصخصة الخدمات، بينما تسعى أدوات النظام البرلمانية لتجريم الضحايا والتغطية على الفشل الإداري عبر التهديد بالقوة الجبرية للمحاكم.
​
​
تدرج الغرامات ومصادرة حقوق الفئات المهمشة
​
​
وبموجب بنود المسودة، تبدأ العقوبات إذا غاب التلميذ 14 يوماً متصلة أو 30 يوماً منفصلة، حيث يرسل مدير المدرسة إنذاراً بمهلة 15 يوماً، يعقبها تغريم الأسرة ما بين 1000 و5000 جنيه في حال تعثر العودة.
​
​
والجدير بالذكر أن الغرامة تتضاعف لتتراوح بين 5000 و10000 جنيه إذا تجاوز الانقطاع 30 يوماً، وتتصاعد إلى ما بين 10000 و25000 جنيه عند وصول الغياب إلى 3 أشهر، محاصرة العائلات بالتزامات تعجيزية تفوق قدراتها المالية.
​
​
وفي السياق ذاته، توضح أستاذة علم الاجتماع بكلية التربية في جامعة عين شمس الدكتورة سامية خضر أن معاقبة ولي الأمر بغرامات باهظة تسحق الروابط الأسرية، معتبرة أن الفقر وانعدام الأمان الوظيفي هما المحرك الأساسي لعمالة الأطفال.
​
​
غير أن البند الأكثر قسوة يفرض غرامة تصل إلى 50000 جنيه في حال حرمان الطفل من إكمال دراسته حتى المرحلة الثانوية، مع مضاعفة المبلغ عند التكرار، وإلزام ولي الأمر بحضور برامج تأهيل وتوعية أسرية إجبارية.
​
​
بالإضافة إلى ذلك، تبدو وعود القانون باستثناء الحالات المعسرة وإجراء بحوث اجتماعية مجرد إجراءات شكلية بيروقراطية، في ظل غياب أي مخصصات مالية حقيقية تدعم شبكات الأمان الاجتماعي أو توفر مستلزمات الدراسة بالمجان للطلاب المحتاجين.
​
​
ومن جهة أخرى، يكرس هذا النهج التحول المستمر نحو التجريد من الحقوق الدستورية؛ فالتعليم المجاني صار عبئاً مدفوع الأجر، بينما يواجه المواطن خيارين أحلاهما مر، إما الديون لتسديد الغرامات أو مواجهة السجن والتشرد.
​
​
بدائل عاجزة تعمق أزمة الفصول المكدسة
​
​
وعلى صعيد موازٍ، تتمسك وزارة التربية والتعليم بنسبة حضور لا تقل عن %70 كشرط للتقييم، متناسية أن المدارس الحكومية تشهد تكدساً غير مسبوق، وانعداماً شبه كامل للأنشطة والكتب المدرسية التي تدفع الطلاب إلى الهجر والغياب.
​
​
وفوق ذلك، لجأت الوزارة إلى تعيين خريجين من غير المؤهلين تربوياً لسد العجز الصارخ في المعلمين مقابل 50 جنيهاً للحصة الواحدة، في خطوة تقوض جودة التعليم وتحول قاعات التدريس إلى مجرد أماكن احتجاز فارغة المحتوى.
​
​
ومن جانبه، يرى الخبير التربوي الدكتور مجدي حمزة أن معالجة التسرب لا يمكن إنجازها عبر قرارات أمنية أو مالية، مشيراً إلى أن الحل الجذري يكمن في سد عجز المدرسين وتطوير المناهج لتصبح جاذبة للتلاميذ وأولياء أمورهم.
​
​
وبالتزامن مع ذلك، يمنح التشريع وزير التعليم مهلة مدتها 3 أشهر لإصدار اللائحة التنفيذية عقب إقراره، متجاهلاً أن الأزمة تتفاقم يومياً في فصول يعاني طلابها من انهيار المرافق الأساسية وغياب الرعاية التربوية السليمة.
​
​
تبعاً لذلك، يقترب القانون من دخول حيز التنفيذ في اليوم التالي لنشره بالجريدة الرسمية بعد استكمال مداولاته البرلمانية، ليدشن مرحلة جديدة من تضييق الخناق المعيشي على الأسر وابتزازها مالياً باسم إصلاح المنظومة التعليمية.

 

وختاماً، يكرس هذا التحرك نهج السلطة في تحميل المجتمع كلفة السياسات الخاطئة، مما يحول المدارس إلى ساحات للملاحقة القضائية، ويفرغ العملية التعليمية من مضمونها الإنساني والتربوي لصالح إجراءات عقابية قمعية لا ترحم المستضعفين.