أثارت موافقة وزارة النقل المشروطة على بناء كوبري مشاة أعلى مزلقان قويسنا صدمة شعبية واسعة، بعدما طالب مسؤولو السكة الحديد النائب المتبرع بسداد 160 ألف جنيه شهرياً مقابل استغلال المساحة الجوية للمرفق الإنساني.
​
​
وفي المقابل، تحول المشروع الخيري الموجه لوقف نزيف الدماء المتكرر على القضبان إلى وسيلة لجني العوائد، بعد إصرار مسؤولي شركة إدارة المشروعات على تحصيل إتاوة مالية منتظمة تبتلع مبادرة التبرع بالكامل.
​
​
تسليع السلامة العامة واحتكار الفضاء الجوي
​
​
ومن منظور تقني، يحدد الدكتور حسن مهدي، أستاذ هندسة الطرق والنقل، كباري المشاة كعناصر أمان ملزمة لحماية المواطنين، مؤكداً أن الفلسفة الهندسية تقتضي تسهيل تنفيذ المنشآت الوقائية بلا أي أعباء استغلال تجاري للمسار.
​
​
وبناءً على ذلك، تعاملت وزارة النقل مع الفضاء الرأسي للمزلقان كعقار تجاري استثماري، متناسية حوادث الدهس التي حصدت أرواح عشرات الضحايا من أهالي قويسنا والقرى المجاورة طوال العقود الماضية.
​
​
علاوة على ذلك، يجسد سلوك الفريق كامل الوزير تغليباً للمنطق الربحي على الواجب الوظيفي، حيث جرى تحويل مسار إنساني معلق إلى مصدر دخل لشركة استثمارية حكومية بلا مراعاة للظرف المجتمعي.
​
​
فضلاً عن ذلك، يعكس اشتراط توريد 160 ألف جنيه شهرياً رغبة مستمرة في تعظيم الصناديق التابعة للهيئة، حتى لو أدى هذا التعنت إلى تعطيل إبعاد المواطنين عن مسارات قطارات الموت السريعة.
​
​
وبالتوازي مع ذلك، أظهرت وثائق الاتفاق أن المتبرع تكفل بتكاليف التشييد كاملة، ومع ذلك فرضت الوزارة رسوماً تماثل إيجار المساحات الإعلانية في المحطات الكبرى، متجاهلة طبيعة المشروع غير الربحية بالمرة.
​
​
تعسف إداري وتشويه للقوانين العامة
​
​
وفي الاتجاه القانوني، يؤصل الدكتور فؤاد عبد النبي، أستاذ القانون العام، مبدأ مجانية المرافق الوقائية، مشدداً على أن أملاك الدولة العامة المخصصة للمنفعة وحفظ الأرواح تخرج قانونياً عن أحكام عقود الانتفاع التجاري.
​
​
وعلى هذا الأساس، يفرض الفقه الإداري تقديم تسهيلات للمبادرات التي ترفع العبء التمويلي عن الدولة، في حين تصرفت الهيئة ككيان جباية يعتبر تقديم الخدمة الإنسانية فرصة مواتية للتربح المالي.
​
​
واللافت للنظر، أن هذا النهج يطابق سياسات قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي في تسليع الخدمات الأساسية، حيث تتحول مرافق الدولة من أدوات رعاية وتأمين إلى أدوات لجمع الأموال وفرض الإتاوات المستمرة.
​
​
ومن ناحية أخرى، تبرز المفارقة في مطالبة نائب برلماني بتحمل اشتراكات دورية مقابل مشروع إنقاذ، بينما تبتلع ميزانيات النقل مئات المليارات على مشاريع القطار السريع وتتجاهل حماية معابر الفقراء اليومية.
​
​
وفي السياق عينه، يشل هذا الإجراء قدرة المجتمع المدني على مساندة المواطنين في المناطق المهمشة، إذ يصبح المتبرع مهدداً بغرامات وتراكم ديون لصالح شركات حكومية لا تقدم أي مقابل خدمي ملموس.
​
​
ونتيجة لذلك، تحولت السكة الحديد إلى سلطة جباية تعاقب المصلحين، فبدلاً من تقديم الدعم الهندسي لتأمين المعبر، فرضت شروطاً مالية تدفع نحو إلغاء المشروع وإبقاء الأهالي في دائرة الخطر المميت.
​
​
خنق المبادرات وانهيار الشراكة التنموية
​
​
ومن زاوية اقتصادية، يحلل الدكتور **عبد النبي عبد المطلب** الخبير الاقتصادي، آليات الجباية بكونها استنزافاً لأموال المجتمع، موضحاً أن تحصيل رسوم على منشآت غير ربحية يمثل تشويهاً تاماً لدور الموازنة العامة.
​
​
وبموجب ذلك المسار، تنحدر وزارة النقل نحو تحويل السلامة الميدانية إلى تجارة، عبر إجبار المبادرين على دفع إيجارات عن الهواء، بما يكرس مبدأ التخلي الحكومي الكامل عن مسؤوليات حماية المواطن.
​
​
وتأسيساً على ذلك، ترسل السلطة التنفيذية رسالة تحذيرية لكل راغب في العمل التطوعي، مفادها أن التبرع لبناء منشأة خدمية سيعقبه ابتزاز مالي منظم، مما يجفف ينابيع التكافل الشعبي على مستوى الجمهورية.
​
​
وفي ضوء ذلك، يظل عبور آلاف المواطنين يومياً لمزلقان قويسنا محفوفاً بمخاطر الموت، بعدما سد التعنت المالي منافذ النجاة، وجعل حق الحياة الآمنة رهينة لحسابات أرباح شركة تابعة لوزارة النقل.
​
​
وإزاء هذا التردي، تظهر الفجوة بين الخطاب الرسمي المروج للإنجازات والواقع العملي المفروض على الأرض، حيث تتنصل الدولة من تمويل المزلقانات وتفرض في الوقت عينه ضرائب باهظة على من يتطوع لحمايتها.
​
​
وهكذا، تحسم الواقعة طبيعة إدارة المرافق العامة كمنظومة مغلقة تستهدف جمع الأموال دون مراعاة لسلامة المواطن، لتتحول مشاريع إنقاذ الأرواح إلى صفقات استثمارية تعطل العمل الخيري وتصادر مساحات الأمل المتبقية.