كثيرًا ما نقع في فخ الاعتقاد بأن الالتزام بالعادات الإيجابية مسألة لا تقبل التجزئة، فإما أن نلتزم بها التزامًا كاملًا أو نفشل فيها تمامًا. ويوضح الكاتب جيمس كلير أن هذا الاعتقاد خاطئ، مؤكدًا أن بناء العادات لا يتطلب الكمال بقدر ما يحتاج إلى الاستمرارية، وأن التعثر مرة واحدة لا يمثل مشكلة حقيقية، لكن تكرار الخطأ مرتين متتاليتين قد يحوله إلى نمط يصعب التخلص منه.


وفي مقال نشره عبر موقعه الإلكتروني يشرح جيمس كلير أهمية العودة سريعًا إلى المسار الصحيح بعد الإخفاق في الالتزام بعادة إيجابية، مشيرًا إلى أن الأخطاء الفردية لا تؤثر على المدى الطويل في قدرتنا على بناء العادات الجيدة والتخلص من العادات السيئة، بقدر ما يؤثر تكرارها وتحولها إلى سلوك متكرر.

 


الاستمرارية أهم من الكمال.. لماذا لا يمثل التعثر نهاية الطريق؟


غالبًا ما نفترض أننا إذا أخللنا بنظامنا الغذائي فقد أفسدنا كل شيء، أو نتصرف كما لو أن تفويت يوم واحد من الكتابة يعني أننا لا نصلح لأن نكون كُتّابًا، أو نعتبر افتقارنا إلى الحافز لممارسة الرياضة دليلًا على عجزنا عن امتلاك الإرادة اللازمة لإحداث التغيير.


لكن هذه المعتقدات غير صحيحة؛ فالعادات سلوكيات نكررها باستمرار، لكنها ليست سلوكيات نؤديها على نحو مثالي في كل مرة. وتكمن أهمية هذه الفكرة البسيطة في أن الاستمرارية لا تعني الكمال.


وعند بناء العادات الإيجابية والتخلص من العادات السلبية، لا تمثل الأخطاء الفردية أهمية كبيرة على المدى البعيد، بل تكمن المشكلة الحقيقية في الخطأ الثاني. وهذا ما يستحق التوقف عنده لفهم أسبابه.

 


الخطأ الثاني.. الفارق بين المتفوقين والآخرين


وفقًا لدراسة نُشرت في المجلة الأوروبية لعلم النفس الاجتماعي، لا يؤثر تفويت يوم واحد من ممارسة عادة معينة في قدرتنا على الالتزام بها على المدى الطويل، بصرف النظر عن توقيت حدوث ذلك، شريطة أن نجد وسيلة للعودة إلى المسار الصحيح.


كذلك يرتكب المتفوقون في مختلف المجالات أخطاءً باستمرار؛ فالرياضيون يتغيبون عن التدريبات، والمديرون التنفيذيون ينسون ممارسة التأمل، واختصاصيو التغذية يتناولون وجبات غير صحية، والفنانون يقضون يومًا كاملًا في الفراش دون ممارسة أعمالهم الإبداعية. فهؤلاء بشر مثلنا تمامًا، ويمرون خلال مسيرتهم المهنية بلحظات يتعثرون فيها، أو يتغيبون عن جلسات العمل، أو يؤدون مهامهم بحماس لا يتجاوز حماس خروف البحر الذي لم ينل قسطًا كافيًا من النوم!


فما الذي يميز أصحاب الأداء الاستثنائي عن غيرهم؟ ليس الكمال، بل الاستمرارية.


لذلك، لا تكمن الأهمية الحقيقية في منع الأخطاء تمامًا، وإنما في تجنب ارتكاب الخطأ نفسه مرتين متتاليتين. فالأخطاء جزء من عملية التعلم والتطور، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى نمط متكرر من السلوك.


يمثل الخطأ الأول مجرد استثناء عابر، أما الخطأ الثاني فيشير إلى بداية تشكل نمط سلوكي متكرر. ويعد إيقاف هذا النمط قبل أن يتفاقم أحد الأسباب التي تجعل تعلم كيفية استعادة المسار الصحيح بسرعة مهارة أساسية لبناء العادات الإيجابية.

 


كيف تستعيد مسارك الصحيح وتتجنب تكرار الأخطاء؟


يطرح جيمس كلير مجموعة من الاستراتيجيات العملية التي تساعد على استعادة الالتزام بالعادات الإيجابية بسرعة وتجنب تكرار التعثر.

 


التركيز على البدء من جديد بدلًا من تعويض ما فات


وجّه كل طاقتك نحو استئناف السلوك الإيجابي. فإذا أخطأت أو نسيت ممارسة عادة جديدة، فقد تقنع نفسك بسهولة بضرورة مضاعفة المجهود في المرة التالية لتعويض ما فاتك. لكن هذا الأسلوب لم يحقق نتائج جيدة مع الكاتب.


ويرى كلير أن من الأفضل الابتعاد عن التركيز المفرط على النتائج، وتوجيه الطاقة نحو البدء من جديد. فلا تشغل نفسك بتحقيق أداء استثنائي في المرة المقبلة، بل ركز فقط على استعادة إيقاعك المعتاد والعودة إلى ممارسة سلوكك الإيجابي.


ويشير في هذا السياق إلى فاعلية «قاعدة الدقيقتين»، التي تساعد على البدء في ممارسة السلوكيات الجديدة بسهولة، من خلال تقليصها إلى خطوات بسيطة لا تستغرق أكثر من دقيقتين.

 


وضع جدول زمني ثابت لممارسة العادات


يعجز كثيرون عن بناء عادات جديدة لأنهم يواصلون انتظار اللحظة التي يشعرون فيها بالحافز لممارستها. لكن الحل يكمن في إخراج الحافز من المعادلة، ووضع جدول زمني محدد للالتزام بالسلوك المطلوب.


ويؤكد كلير أن تحديد جدول منتظم لنشر كتاباته كان من أكبر العوامل التي ساعدته على تطوير عاداته الإبداعية. ويرجع ذلك إلى فاعلية ما يعرف علميًا باسم «نوايا التنفيذ» وهي استراتيجية تقوم على تحديد متى وأين وكيف سننفذ سلوكًا معينًا، بدلًا من ترك الأمر للمزاج أو الحافز اللحظي.

 


التخلص من العوامل التي تعيق الاستمرارية


لا يمكن تجنب بعض الظروف الطارئة، لكن يمكن التخلص من كثير من المشتتات اليومية التي تعوق الالتزام بالعادات الإيجابية.


فإذا أخفقت في ممارسة إحدى عاداتك، خصص لحظة للتفكير في الأسباب التي أدت إلى ذلك اليوم، دون إصدار أحكام قاسية على نفسك. اكتفِ بمراجعة يومك بموضوعية، وحدد العوامل التي دفعتك إلى الخروج عن مسارك المعتاد.


وبمجرد اكتشاف هذه العوامل، يمكنك التخلص منها كلما أمكن ذلك. فالتطور لا يتحقق دائمًا بإضافة المزيد من المهام، بل قد يتحقق أحيانًا بحذف ما يعوق تقدمنا. إذ يصبح اتخاذ القرار الصحيح أسهل بكثير عندما تحيط نفسك بخيارات أفضل.


ويوصي كلير القراء الراغبين في الحصول على أفكار عملية إضافية بالاطلاع على قائمته الكاملة التي تضم سبع استراتيجيات للعودة إلى المسار الصحيح.

 

https://jamesclear.com/second-mistake