تجددت موجة الاحتجاجات في عدد من الدول الأوروبية، مع خروج عشرات الآلاف إلى الشوارع في فرنسا وألمانيا والبرتغال، رفضًا لارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع مستوى الخدمات العامة وتفاقم أزمة السكن، وسط مشاركة واسعة من شباب جيل زد، وانضمام نقابات عمالية ومنظمات طلابية وحركات اجتماعية إلى التحركات.
وبينما حافظت غالبية المسيرات على طابعها السلمي خلال ساعات النهار، تحولت بعض التجمعات إلى مواجهات مع قوات الشرطة في فرنسا وألمانيا، مع تسجيل أعمال شغب وتخريب في عدد من المدن، قبل أن تتصاعد حدة المواجهة في البرتغال فجر الأحد، بعدما تدخلت قوات مكافحة الشغب لفض مخيمين للمحتجين في لشبونة وبورتو، وألقت القبض على 13 شخصًا.
وتكشف الاحتجاجات المتزامنة عن اتساع حالة الاستياء داخل المجتمعات الأوروبية من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، رغم اختلاف الملفات التي دفعت المواطنين إلى النزول للشوارع؛ ففي فرنسا تصدرت أزمة الغلاء وتراجع الخدمات العامة المطالب، بينما تركزت التحركات في ألمانيا على التعليم والإنفاق العسكري ورفض التجنيد الإلزامي، في حين أصبحت أزمة السكن والإيجارات محور المواجهة في البرتغال.
فرنسا.. الغلاء يعيد الاحتجاجات للشوارع
شهدت فرنسا واحدة من أكبر موجات الاحتجاج خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما شارك نحو 320 ألف شخص في مظاهرات امتدت إلى مناطق مختلفة من البلاد، بينهم قرابة 70 ألفًا في العاصمة باريس، وفق تقديرات وزارة الداخلية الفرنسية، في ثالث سبت متتالٍ من الاحتجاجات.
ورغم تراجع أعداد المشاركين مقارنة بالأسبوع السابق، الذي سجل نحو 410 آلاف متظاهر، والاحتجاجات التي شهدتها البلاد في 17 أكتوبر الماضي بمشاركة 550 ألف شخص، فإن السلطات تعاملت مع التحركات باعتبارها تحديًا أمنيًا جديدًا، ونشرت نحو 70 ألف شرطي لتأمين التجمعات ومنع تكرار أعمال الشغب والنهب التي شهدتها بعض المناطق قبل أسبوعين.
وانطلقت التحركات في البداية من احتجاجات طلابية اعتراضًا على تدهور أوضاع المدارس ونقص المعلمين، قبل أن تتسع رقعتها بانضمام النقابات العمالية وفئات اجتماعية متضررة من ارتفاع أسعار الوقود والسلع الأساسية وتزايد الضغوط التضخمية.
كما شارك في الاحتجاجات مؤيدون لحركة "السترات الصفراء"، التي سبق أن قادت موجات غضب واسعة ضد السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة الفرنسية، ووجهت انتقادات حادة للرئيس إيمانويل ماكرون والمؤسسة السياسية الحاكمة.
واتسمت المسيرات بالسلمية إلى حد كبير خلال ساعات النهار، لكن الأوضاع تغيرت مع اقتراب نهايتها، إذ اندلعت مواجهات بين الشرطة ومجموعات من المحتجين في باريس وليون وتولوز ومرسيليا وبوردو. واستخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع لتفريق بعض التجمعات، وسط اتهامات متبادلة بشأن المسؤولية عن تصاعد أعمال العنف.
وأعلنت وزارة الداخلية، بحلول السادسة مساءً، توقيف نحو 300 شخص، مشيرة إلى أنها منعت مجموعات وصفتها بالعناصر المتطرفة من الانفصال عن المسيرات وتنفيذ عمليات تخريب ونهب.
وقال وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إن قوات الأمن نجحت في تأمين مراكز المدن، لكنه حذر من استمرار الاضطرابات خلال الليل، خصوصًا مع تزامن الاحتجاجات مع احتفالات عيد الهالوين، متوعدًا بالتعامل بحزم مع أي محاولات لافتعال مواجهات.
وشهدت مسيرة باريس مشاركة زعيم تيار اليسار الفرنسي جان لوك ميلونشون، الذي تقدم صفوف المتظاهرين، في وقت تتزايد فيه أهميته السياسية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل المقبل.
رفض التجنيد يقلق الحكومة في ألمانيا
وفي ألمانيا، امتدت احتجاجات جيل زد إلى 34 مدينة، استجابة لدعوة مبادرة "جيل زد يسيطر"، التي طالبت بزيادة الإنفاق على التعليم والرعاية الصحية، وتحسين الأوضاع المعيشية، وتعزيز العدالة الاجتماعية وحماية البيئة، إلى جانب رفض العودة إلى نظام التجنيد الإلزامي.
وقدرت المبادرة عدد المشاركين في تحركات السبت الماضي بنحو 120 ألف شخص في مختلف أنحاء البلاد، بينما أشارت بيانات الشرطة في فرانكفورت وميونيخ وبرلين إلى مشاركة نحو 18 ألف متظاهر، وهو فارق كبير بين تقديرات المنظمين والأرقام الرسمية.
ورفع المشاركون لافتات تنتقد سياسات المستشار الألماني فريدريش ميرتس، وتطالب بتوجيه مزيد من الموارد إلى الخدمات العامة بدلًا من التوسع في الإنفاق العسكري، محذرين من أن نظام الخدمة العسكرية الطوعية الجديد قد يكون خطوة تمهد لإعادة فرض التجنيد الإلزامي.
وقالت المتحدثة باسم المبادرة لينا فريدريش إن الشباب خرجوا للمطالبة بالسلام والحرية ورفض الحرب والإكراه، مشددة على ضرورة تحسين أوضاع التعليم والصحة، وتوزيع الأعباء الاجتماعية بصورة أكثر عدالة بين فئات المجتمع.
ورغم الطابع السلمي الذي غلب على المسيرات في بدايتها، شهدت عدة مدن مواجهات عنيفة مع الشرطة خلال الساعات التالية، وكانت فرانكفورت أبرز بؤر الاشتباكات، بعدما تعرضت قوات الأمن وفرق الطوارئ للرشق بالحجارة والزجاجات والألعاب النارية، إلى جانب إلقاء زجاجات حارقة في وسط المدينة.
وأفادت تقارير بوقوع عمليات تخريب ونهب استهدفت متاجر، فيما استخدمت الشرطة خراطيم المياه ورذاذ الفلفل الحار لتفريق المجموعات التي شاركت في أعمال العنف والسيطرة على الموقف.
وامتدت الاضطرابات إلى هامبورج وكولونيا وبرلين، حيث أضرم محتجون النيران في بعض الحواجز واستهدفوا عناصر الشرطة، ما أسفر عن إصابة عدد من أفراد الأمن وتنفيذ توقيفات.
وفي المقابل، سعت المبادرة المنظمة إلى النأي بنفسها عن أعمال العنف، مؤكدة أن هدف التحركات يتمثل في الضغط من أجل تحسين الخدمات العامة والأوضاع الاجتماعية، وليس الدخول في مواجهات مع قوات الأمن.
البرتغال.. أزمة السكن تشعل المواجهة
وفي البرتغال، تصدرت أزمة السكن مطالب المحتجين، بعدما عاد آلاف الأشخاص إلى ساحة روسيو في العاصمة لشبونة، السبت، للمطالبة بسحب مشروع قانون حكومي جديد للإيجارات، وسط مخاوف من أن يؤدي إلى زيادة صعوبة حصول المواطنين، خصوصًا الشباب، على مساكن بأسعار مناسبة.
وتواجه البلاد أزمة متصاعدة في القدرة على تحمل تكاليف السكن، بعدما تضاعفت أسعار المنازل بأكثر من مرتين منذ عام 2017، واقتربت إيجارات العقود الجديدة من الضعف خلال الفترة نفسها، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين دخول المواطنين وتكاليف الحصول على مسكن.
ويعترض المحتجون على مشروع قانون يتضمن تسهيلات لإجلاء المستأجرين وإلغاء سقف الإيجارات للعقود الجديدة، معتبرين أن هذه الإجراءات ستمنح أصحاب العقارات مزيدًا من الصلاحيات، على حساب حقوق المستأجرين، وستزيد الضغوط على الفئات الأقل دخلًا.
وكان المشروع قد اجتاز القراءة الأولى في البرلمان، وسط امتناع حزب "شيغا" اليميني المتطرف عن التصويت، بينما استبعد رئيس الوزراء لويس مونتينيجرو سحبه، لكنه أبدى استعداد حكومته لإدخال تعديلات عليه قبل التصويت النهائي المتوقع خلال الأسابيع المقبلة.
وقالت ريتا سيلفا، المتحدثة باسم حركة "كازا بارا فيفير" المدافعة عن الحق في السكن، إن الحكومة لا تبدو مستعدة للاستماع إلى مطالب المحتجين، مؤكدة استمرار التحركات الرافضة لمشروع القانون.
كما دعا زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو الحكومة إلى فتح حوار مع المعارضة والحركات الاجتماعية بدلًا من فرض رؤيتها بشأن تنظيم سوق الإيجارات، فيما قال وزير الداخلية لويس نيفيس إن الحكومة تحترم حق المواطنين في التظاهر، شريطة الالتزام بالقانون.
لكن الخلاف السياسي بشأن مشروع القانون تحول إلى مواجهة ميدانية خلال الساعات الأولى من صباح الأحد، بعدما تدخلت شرطة مكافحة الشغب لفض مخيمين أقامهما محتجون في لشبونة وبورتو، وألقت القبض على 13 شخصًا، بينهم ستة في العاصمة وسبعة في بورتو.
وقالت الشرطة إن الموقوفين رفضوا الامتثال لأوامر فض التجمعات، وإن عناصرها تعرضوا للرشق بالقوارير والطلاء خلال العملية، مشيرة إلى إصابة 13 من أفرادها، نقل ثمانية منهم إلى المستشفى لتلقي العلاج.
وأضافت أن ثلاثة من عناصرها الذين كانوا يرتدون ملابس مدنية ويراقبون المحتجين في بورتو تعرضوا للاعتداء، وأن أحدهم اضطر إلى إشهار سلاحه خلال المواجهة.
في المقابل، قدمت مجموعة الناشطين "أكامبادا لشبونة" رواية مختلفة عن الأحداث، وقالت إن أكثر من 30 متظاهرًا أصيبوا خلال عملية فض المخيمين، بينهم عشرة نقلوا إلى المستشفيات، ونشرت صورًا لأشخاص ظهرت عليهم آثار دماء وكدمات، متهمة الشرطة باستخدام القوة المفرطة ضد المحتجين.
ودعت المجموعة إلى تنظيم تجمع جديد في لشبونة، مؤكدة تمسكها بمواصلة التحركات الرافضة للسياسات الحكومية المتعلقة بالسكن والإيجارات.
جيل زد يوسع دائرة الغضب الأوروبي
وتشير التطورات المتزامنة في فرنسا وألمانيا والبرتغال إلى أن الاحتجاجات لم تعد مرتبطة بمطلب اقتصادي واحد، وإنما تعكس تراكم أزمات تمس الحياة اليومية لملايين الأوروبيين، من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية إلى صعوبة الحصول على مسكن مناسب وتدهور بعض الخدمات العامة.
كما تكشف مشاركة الشباب والنقابات والحركات الاجتماعية عن اتساع قاعدة الغضب، خصوصًا بين الأجيال الجديدة التي ترى أن السياسات الحكومية لا توفر استجابات كافية لمشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية.
ورغم اختلاف طبيعة المطالب بين الدول الثلاث، فإن القاسم المشترك بينها يتمثل في تراجع الثقة بقدرة الحكومات على معالجة الضغوط المعيشية، وهو ما يضع السلطات الأوروبية أمام اختبار جديد، مع استمرار الاحتجاجات واحتمالات انتقالها إلى قطاعات وبلدان أخرى.

