تتصاعد حدة التوترات داخل الجامعات الأهلية في مصر خلال شهر نوفمبر الجاري إثر تفاقم شكاوى الطلاب وتزايد أزماتهم الإدارية، ما دفع الأزمة إلى قبة مجلس النواب لمساءلة مسؤولي التعليم العالي، في ظل اتساع الفجوة بين الوعود الحكومية بالتميز الأكاديمي والواقع المليء بالعقبات.
​
​
وتتحول مسيرة الطلاب من التطلع للحصول على تعليم حديث إلى مواجهة تعقيدات لوائحية ومالية غير مبررة، ما أثار غضب آلاف الأسر بسبب فرض التزامات باهظة دون تقديم خدمات تعليمية توازي المبالغ المدفوعة، الأمر الذي حول الأمر برمته إلى قضية رأي عام تستدعي التدخل العاجل.
​
​
تصاعد الأعباء المالية وغياب الشفافية
​
​
وتتصدر قضية المصروفات الدراسية قائمة الأزمات التي تؤرق أولياء الأمور والطلاب على حد سواء، بعدما قفزت الرسوم في أكثر من 12 جامعة أهلية إلى أرقام قياسية، دون وجود ضوابط صارمة تلزم الإدارات بإعلان التكاليف مسبقاً وتمنع الزيادات المفاجئة المقررة سنوياً.
​
​
في المقابل، يشكو الطلاب من انعدام الشفافية المالية في بنود السداد التي تفرضها الكليات المتنوعة، حيث تلزمهم الإدارات بدفع مبالغ إضافية تحت مسميات خدمات تكنولوجية وتدريبية وهمية، مؤكدين أن ما يدفعونه لا يقابله أي تطوير حقيقي في البنية التحتية التعليمية أو المختبرات الدراسية الموعودة.
​
​
وعلى نحو متصل، تتزايد الضغوط الاقتصادية على العائلات التي استدانت لتوفير نفقات التعليم الأكاديمي المرتفعة، ظناً منها أنها تشتري مستقبلاً أفضل لأبنائها، قبل أن تصطدم باقتطاعات مالية جديدة تعوق استمرار الطلاب في قاعات الدراسة وتهددهم بالحرمان من أداء الاختبارات الفصلية المقررة.
​
​
من جانبهم، يرى مراقبون أن السياسات المتبعة في تحصيل الرسوم حولت الجامعات الأهلية إلى مؤسسات جباية استثمارية، مخالفة بذلك الفلسفة التي أُنشئت من أجلها ككيانات غير هادفة للربح، مما يعزز الفوارق الطبقية ويحرم قطاعات واسعة من الكفاءات الشابة من نيل فرص تعليمية عادلة ومتكافئة.
​
​
وفي الصدد ذاته، يؤكد الخبير التربوي والتعليمي الدكتور مجدي حمزة أن تحميل الطلاب أعباء مالية تفوق قدرة الطبقة المتوسطة يعكس خللاً جسيماً في منظومة تسعير الخدمات الجامعية، مشدداً على ضرورة إخضاع الميزانيات لرقابة مالية صارمة تحمي حقوق الطلاب وتمنع استغلال تطلعاتهم التعليمية بقرارات إدارية فردية.
​
​
وبناءً على ذلك، يطالب أولياء الأمور بوضع تسعيرة جبرية عادلة ومعلنة قبل بدء العام الدراسي بوقت كافٍ، تضمن استقرار المراكز المالية للأسر طوال سنوات الدراسة البالغة 5 أعوام، مع إلغاء كافة الرسوم الإضافية المفروضة بأثر رجعي لحماية الطلاب من الضغوط النفسية المستمرة.
​
​
تراجع الحقوق الطلابية وغياب المحاسبة
​
​
إلى جانب ذلك، تشهد الكليات تعطيلاً متعمداً لحقوق الطلاب الأكاديمية واللوائح الإدارية المنظمة للعملية التعليمية، حيث يعاني الدارسون من غياب آليات واضحة ومعلنة للتظلم من نتائج الاختبارات، فضلاً عن تعنت إدارات شؤون الطلاب في مراجعة الدرجات ورصدها بنزاهة وحيادية تامة.
​
​
بالتوازي مع ذلك، تتفاقم الأزمة مع غياب التمثيل الطلابي الشرعي والمجالس المنتخبة القادرة على نقل مطالب الشباب والدفاع عن حقوقهم، في ظل هيمنة القرارات الفوقية وغياب أي حوار جاد بين إدارات الجامعات والطلاب، مما خلق مناخاً من الترهيب الإداري والتهديد بالفصل والتأديب التعسفي.
​
​
علاوة على ذلك، يصطدم الطلاب كذلك بنقص حاد في الكوادر التدريسية المؤهلة والمشرفين الأكاديميين، حيث تعتمد عدة كليات على أساتذة منتدبين غير متفرغين، مما يؤدي إلى عدم انتظام المحاضرات وإلغاء الأقسام التدريبية العملية المقررة، في مخالفة صريحة لمعايير الجودة والاعتماد الأكاديمي.
​
​
وفي سياق متصل، تشير شكاوى متعددة إلى تدهور الخدمات اللوجستية الأساسية داخل المجمعات الجامعية، بدءاً من تعطل معامل الحواسب وغياب التجهيزات الطبية في كليات القطاع الصحي، وصولاً إلى سوء خدمات الانتقال والإعاشة، رغم تحصيل مبالغ طائلة مخصصة لتطوير هذه الخدمات الحيوية.
​
​
من جهته، يوضح الخبير بالمركز القومي للبحوث التربوية الدكتور كمال مغيث أن غياب البيئة التعليمية العادلة ولائحة الحقوق الصريحة يحول الطالب إلى متلقٍ مقهور بلا صوت، معتبراً أن التوسع الكمي الحالي جاء على حساب جودة التدريس واستقلالية الطلاب وحقهم في بيئة أكاديمية محفزة تحترم آدميتهم وتصون كرامتهم.
​
​
نتيجة لذلك، يشدد ممثلو القوى الطلابية على أن استمرار تجاهل الشكاوى يكرس الاحتقان ويدفع نحو مزيد من الأزمات الصامتة داخل الكليات، داعين إلى إقرار ميثاق طلابي ملزم يضمن شفافية التقييم وحرية التظلم دون خوف من الانتقام الإداري أو الحرمان الأكاديمي.
​
​
تحركات برلمانية لمواجهة الفوضى الإدارية

 

وأمام هذا التدهور، تتحرك لجان برلمانية متخصصة لمواجهة الفوضى الإدارية التي طالت منظومة التعليم الأهلي، حيث تقدم نواب بطلبات إحاطة عاجلة واستجوابات موجهة للحكومة، للمطالبة بفتح تحقيق شامل حول مخالفات اللوائح وغموض أوجه إنفاق الرسوم الضخمة المتحصلة من الطلاب وأسرهم.
​
​
وفي هذا الإطار، يرى برلمانيون معارضون أن اندفاع الدولة نحو التوسع غير المدروس في إنشاء الجامعات الأهلية برعاية سياسات قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي خلق كيانات هشة تعاني عجزاً هيكلياً، مؤكدين أن البرلمان لن يكتفي بمجرد نقل الشكاوى بل سيفعل أدواته الدستورية للمحاسبة الجادة.
​
​
وفي ضوء ذلك، تشمل المطالبات النيابية إرسال لجان تفتيش قضائية وإدارية مستقلة لفحص ملفات 20 جامعة أهلية على مستوى المحافظات، للتأكد من مطابقة الخدمات للوعود الإعلانية، ووقف تغول مجالس الأمناء على حقوق الطلاب وفرض رسوم خارج إطار القوانين المنظمة.
​
​
من جانبه، يعتبر الأستاذ بكلية العلوم في جامعة القاهرة وعضو حركة 9 مارس لاستقلال الجامعات الدكتور هاني الحسيني أن إخضاع الإدارة الجامعية للرقابة البرلمانية والمجتمعية ضرورة حتمية لإنقاذ مستقبل التعليم، لافتاً إلى أن تفريغ الجامعات من معايير الشفافية يحولها لمشاريع ربحية تتجاهل كفاءة الخريجين.
​
​
وختاماً، تظل معركة حماية حقوق الطلاب معياراً فاصلاً لقياس مدى جدية المؤسسات التشريعية في إصلاح المنظومة التعليمية، حيث يتطلب الحفاظ على مستقبل الأجيال تفكيك شبكات المصالح داخل مجالس الإدارات، وإعادة ضبط العلاقة بين الطالب والجامعة على أسس عادلة تضمن جودة التعليم وتمنع استنزاف العائلات.