في لحظة تاريخية لأكبر مدن أمريكا، أدى زهران ممداني اليمين الدستورية على القرآن الكريم في الساعات الأولى من العام الجديد 2026، ليصبح أول رئيس بلدية مسلم منتخب في تاريخ نيويورك. جرت مراسم أداء اليمين داخل محطة مترو "مبنى البلدية القديم" التاريخية التي شُيّدت عام 1904، بحضور محدود لعائلته والمقربين منه، قبل إقامة مراسم عامة لاحقاً. ممداني البالغ من العمر 34 عاماً، والذي يُعرف عن نفسه بأنه "اشتراكي"، فاز في انتخابات نوفمبر الماضي ببرنامج طموح يعد بمكافحة غلاء المعيشة في مدينة يبلغ سكانها 8.5 مليون نسمة.
لكن التحديات التي تنتظر هذا الشاب هائلة: عليه تنفيذ وعود جريئة ببناء 200 ألف وحدة سكنية ميسورة التكلفة، وتوفير رعاية أطفال مجانية، ووسائل نقل عام مجانية، وإقامة متاجر حكومية بأسعار مخفضة. كل هذا في ظل إدارة ترامب الجديدة التي تهدد بتصعيد عمليات الترحيل ضد المهاجرين، وسلف له (إريك آدامز) سعى لتعقيد خططه بتعيين موالين له في لجان حاسمة. ممداني المناصر للقضية الفلسطينية يواجه أيضاً ضغوطاً من الجالية اليهودية القوية في نيويورك، في وقت تضطره فيه وسائل الإعلام لتبرير كل تفصيلة في حياته الشخصية والسياسية.
القرآن في محطة المترو: رمزية التواضع أم تحدٍ للمؤسسة؟
اختار ممداني موقعاً غير تقليدي لأداء اليمين: محطة مترو تاريخية مهجورة بُنيت عام 1904، بدلاً من القاعات الفخمة المعتادة. في كلمته أمام الحضور المحدود، قال ممداني إن اختيار المحطة يمثل "دليلاً على أهمية وسائل النقل العام لحيوية المدينة وصحتها وإرثها". هذه الرمزية المتعمدة تعكس توجهه الشعبوي: رئيس بلدية يركز على خدمة المواطن العادي، لا على المظاهر الاحتفالية.
أداء اليمين على القرآن الكريم كان اللحظة الأبرز. ترأست المدعية العامة لولاية نيويورك ليتيتيا جيمس المراسم، في مشهد يعكس التنوع الديني والعرقي الذي تفخر به نيويورك. لكن هذا الحدث التاريخي يأتي في لحظة حساسة: إدارة ترامب الجديدة التي وصفت ممداني سابقاً بـ"الشيوعي" تستعد لتصعيد سياساتها ضد الهجرة والأقليات، مما يجعل رئاسة ممداني اختباراً حقيقياً لقدرة المدن الكبرى على مقاومة السياسات الفيدرالية المتشددة.
على الرغم من أن ممداني قال إن هذا "شرف عظيم وامتياز يدوم مدى الحياة"، إلا أن المراسم المحدودة والخاصة تثير تساؤلات: هل كان هذا اختياراً للتواضع، أم خوفاً من ردود فعل سلبية في لحظة استقطاب سياسي حاد؟ المراسم العامة التي أُقيمت لاحقاً ستكون الاختبار الحقيقي لمدى قبول النيويوركيين لرئيس بلديتهم المسلم الاشتراكي.
وعود ضخمة وتحديات أضخم: بين آدامز وترامب
برنامج ممداني الانتخابي كان ثورياً بمعايير السياسة الأمريكية: 200 ألف وحدة سكنية ميسورة، رعاية أطفال مجانية للجميع، متاجر حكومية بأسعار مخفضة، وسائل نقل عام مجانية. لكن تنفيذ هذه الوعود يواجه عقبات هائلة. سلفه إريك آدامز، قبل مغادرته، سعى لتعقيد إجراء حاسم: تجميد الإيجارات لأكثر من مليون شقة، عبر تعيين موالين له في اللجنة المسؤولة عن القرار. هذه الخطوة التخريبية تعكس حقد المؤسسة التقليدية على التوجه الاشتراكي لممداني.
التحدي الأكبر هو العلاقة مع دونالد ترامب. بعد حملة انتخابية حامية، كان اللقاء بين الرجلين في نوفمبر "ودياً" بشكل مفاجئ. جون كين أستاذ جامعة نيويورك يرى أن ممداني سعى "بحكمة إلى إيجاد أرضية مشتركة مع ترامب بجعل نيويورك من جديد مدينة رائعة". لكن هذا التقارب قد لا يدوم: مع انتشار عناصر شرطة الهجرة في المدينة، يتوقع الناخبون من ممداني أن "يقف بحزم في وجه سياسات ترامب" كما يقول لينكولن ميتشل.
ممداني يحظى بعلاقات ممتازة مع كاثي هوتشول حاكمة ولاية نيويورك الديمقراطية، التي لديها صلاحية الموافقة على الزيادات الضريبية التي يعتزم فرضها. لكن هذا لا يكفي في ظل معارضة مجتمع الأعمال القلق من "هجرة جماعية للأثرياء" (وإن لم تتحقق بعد). التوازن بين الوعود الاشتراكية والحفاظ على الاقتصاد هو التحدي الأكبر لهذا الشاب قليل الخبرة.
شخصية ثقافية
ممداني في الـ34 من عمره، أحد أصغر رؤساء البلدية الـ111 الذين تعاقبوا على المنصب. شكل فريق عمل متمرس، بعضهم من إدارات سابقة بما فيها إدارة بايدن. كما بدأ حواراً مبكراً مع مجتمع الأعمال لطمأنته.
وسائل الإعلام، وخاصة نيويورك تايمز، تتناول كل تفاصيل حياته: تجربته القصيرة في موسيقى الراب، حصص الارتجال في مانهاتن، فريق كرة القدم في بروكلين، حتى "بدلاته البسيطة ميسورة السعر". زوجته راما دوجي، رسامة من أصل سوري، حققت مليون متابع على إنستغرام منذ الانتخابات. لينكولن ميتشل يلخص: "رئيس بلدية نيويورك كان على الدوام شخصية ثقافية" تحللها وسائل الإعلام بلا توقف.
زهران ممداني يبدأ ولايته بتحديات غير مسبوقة: وعود اشتراكية ضخمة، إدارة ترامب معادية، مؤسسة تقليدية رافضة، وجالية يهودية قلقة. نجاحه أو فشله سيحدد مستقبل السياسة التقدمية في أمريكا.

