في تطور قضائي–سياسي خطير، يتداول الوسط القضائي المصري معلومات عن قرار سيادي بنقل ملف تعيينات وترقيات القضاة بالكامل من مجلس القضاء الأعلى والجهات القضائية إلى الأكاديمية العسكرية، لتصبح هي بوابة العبور الإلزامية لكل من يريد الدخول إلى سلك القضاء أو الترقّي داخله. هذا التحول، الذي كشفته تسريبات عن اجتماع ضم مدير مكتب قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي، عمر مروان ورؤساء الهيئات القضائية، فجّر حالة غليان غير مسبوقة داخل صفوف القضاة، ودفع نادي القضاة للدعوة إلى اجتماع طارئ، مع التلويح بجمعية عمومية غير عادية لأول مرة منذ سنوات طويلة.
المفارقة المريرة التي يهمس بها كثير من القضاة – ويقولها خصومهم بصوت عالٍ – أن السلطة القضائية التي وقفت بحماسة خلف انقلاب السيسي على الرئيس الراحل د. محمد مرسي، وشرعن جزء كبير منها إجراءات القمع والحبس الجماعي للمعارضين، تتلقى اليوم “الجزاء” نفسه: تجريد تدريجي من صلاحياتها لصالح الأكاديمية العسكرية، في رسالة واضحة مفادها أن من شارك في تكسير قواعد استقلال الدولة لا ينبغي أن يندهش حين تُكسَر قواعد استقلاله هو شخصيًا.
قضاة غاضبون واجتماع طارئ… قرار سيادي ينقل التعيينات إلى يد العسكر
منذ صباح الأربعاء ومقر نادي القضاة بوسط القاهرة يتوافد عليه العديد من القضاة استجابة لدعوة طارئة أطلقها رئيس النادي المستشار أبو الحسين قايد، لمناقشة ما وصفه بـ“أمر جسيم” يمس شؤون القضاء.
البيان الداخلي الموجَّه للقضاة لم يذكر صراحة طبيعة هذا “الأمر”، لكن مصادر قضائية على درجة رئيس بمحكمة الاستئناف أكدت أن المسألة تتعلق بقرار من رئاسة الجمهورية يقضي بنقل ملف تعيينات وترقيات القضاة إلى الأكاديمية العسكرية.
وفقًا لهذه المصادر، أبلغ عمر مروان – مدير مكتب السيسي ووزير العدل السابق – رؤساء الجهات والهيئات القضائية في اجتماع مغلق بأن الأكاديمية العسكرية هي من ستتولى بالكامل استقبال طلبات التقديم، وعقد المقابلات، وتصفية المرشحين، ليكون دور الهيئات القضائية لاحقًا أقرب إلى “اعتماد” ما يخرج من بوابة الأكاديمية، لا “اختيار” من الأساس.
المفاجئ أن رئيس محكمة النقض ورئيس مجلس القضاء الأعلى المستشار عاصم الغايش اعترض – بحسب التسريبات – على هذا التوجه، واعتبره مساسًا مباشرًا باستقلال القضاء، لكن رد مروان جاء قاطعًا: “هذا قرار سيادي صادر من رئاسة الجمهورية، والموضوع انتهى ونحن بصدد تنفيذ الإجراءات”.
بهذا المعنى، فُرِض القرار على مجلس القضاء الأعلى فرضًا، في إهانة غير مسبوقة لرموز السلطة القضائية الذين اعتاد النظام استخدام أسمائهم كواجهة لـ“دولة القانون”.
دعوة نادي القضاة لاجتماع طارئ، مع الإشارة إلى احتمال الدعوة لجمعية عمومية غير عادية، تعكس إدراكًا داخل جزء من الجسم القضائي بأن الموضوع يتجاوز مجرد “تنظيم” أو “تطوير” للتعيينات، إلى انتزاع صلاحية جوهرية من صميم استقلال القضاء: حقه في اختيار من ينتمي إليه ومن يصعد في درجاته.
من منصة العدالة إلى بوابة الأكاديمية… القاضي تحت الاختبار العسكري
لم يكن دخول الأكاديمية العسكرية على خط تعيين القضاة وليد اللحظة.
فمنذ سنوات، تمددت المؤسسة العسكرية في ملفات التوظيف والتأهيل في الدولة: من الدبلوماسيين الجدد في الخارجية، إلى المعلمين في وزارة التربية والتعليم، إلى موظفي النقل، وصولًا إلى دفعات جديدة من المعينين في الجهات القضائية نفسها الذين تلقوا دورات مكثفة داخل الكلية الحربية.
في يوليو 2024، انتقدت “مؤسسة دعم العدالة” بالمركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة إعلان المتحدث العسكري تخريج دفعة جديدة من المعينين في الهيئات القضائية بعد دورة تدريبية بالأكاديمية العسكرية، مؤكدة أن هذه الممارسة تمثل مساسًا بالمكون القضائي لأعضاء السلطة القضائية، وتؤثر مباشرة على تكوينهم المهني واستقلالهم. يومها، طالبت المؤسسة المجلس الأعلى للقضاء برفض هذه الدورات وقصر التدريب القضائي على مراكز الدراسات القضائية التابعة للقضاء نفسه، لا تحت إشراف العسكريين.
لكن النظام، بدل أن يتراجع، مضى خطوة أبعد: لم يعد الأمر مجرد “دورات” أو “تهيئة”، بل تحول إلى سيطرة كاملة على بوابة التعيين ذاتها.
فبدل أن يكون القاضي ابن مدرسة القضاء، يصبح ابن الأكاديمية العسكرية؛ وبدل أن يختبره شيوخ القضاء في قاعاتهم، يخضع لاختبارات التحكم والفرز في منشأة عسكرية، وفق معايير لا يعرفها أحد ولا تخضع لأي رقابة قضائية أو مجتمعية حقيقية.
بهذا، يتكرّس نموذج “القاضي الموظف الأمني” الذي يُختار ابتداءً بناءً على درجة ولائه وانضباطه، لا بناءً على استقلاله وصلابة موقفه في مواجهة السلطة.
“جزاء” وقوفهم مع الانقلاب… السلطة القضائية تدفع ثمن تخلّيها عن استقلالها
الغضب داخل أوساط القضاة اليوم لا يمحو ذاكرة السنوات الماضية. فجزء معتبر من القضاة كان في طليعة الداعمين لانقلاب يوليو 2013 على الرئيس الراحل محمد مرسي، وشارك في توفير الغطاء القضائي لموجات واسعة من الاعتقالات والأحكام القاسية بحق المعارضين، من الإخوان وغيرهم. كثير من هؤلاء القضاة اعتقدوا أن اصطفافهم مع السيسي سيضمن لهم مكانة مميزة في “الجمهورية الجديدة”، ويزيد من نفوذهم داخل الدولة.
لكن ما يحدث اليوم يكشف عن قاعدة مختلفة تحكم علاقة النظام بمؤسسات الدولة: لا شريك في السلطة، بل أذرع تُستخدم ثم تُهمَّش.
القضاء الذي صمت – أو شارك – حين جرى تقويض استقلال الجامعات، وتسييس الإعلام، ومطاردة الأحزاب، يجد نفسه الآن في الدور التالي: تجريد من صلاحية التعيين والترقية، وتحويل القاضي إلى مجرد خريج للأكاديمية العسكرية، يُختار وفق معايير أمنية وسياسية قبل أي شيء.
النتيجة أن القضاة، بدل أن يُكافَأوا على وقوفهم مع الانقلاب، يتلقون “العقاب الاستراتيجي”: تذويب ما تبقّى من استقلال مؤسستهم في بحر التبعية العسكرية.
ومع ذلك، لا تزال ردود الفعل حتى الآن في إطار “اجتماع طارئ” و“تهديد بجمعية عمومية”، دون إعلان موقف حاسم برفض القرار أو الامتناع عن تطبيقه.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل يملك القضاة شجاعة مواجهة السلطة التي خدموها حين قررت أن تعيد تشكيلهم على هواها؟
أم أن الغضب سيبقى تحت السقف، وتتحول الأكاديمية العسكرية رسميًا إلى “السلطة العليا” التي تمنح إذن المرور إلى منصة القضاء، لتكتمل دائرة إخضاع كل مفاصل الدولة لإرادة رجل واحد ونظام واحد لا يرى في الاستقلال المؤسسي إلا خطرًا يجب احتواؤه؟
في الحالتين، تبدو الحقيقة مرة وواضحة: من يفرّط في استقلاله اليوم، يفاجأ غدًا بأنه لم يعد يملك حتى حق الاعتراض على من يختار أبناءه.
والقضاء المصري، الذي سمح طوال سنوات بتسييس العدالة، يكتشف الآن أن العدالة ذاتها يمكن أن تُسلَّم إلى بوابة الأكاديمية العسكرية، بقرار سيادي لا يعترف لا بمجلس قضاء أعلى ولا بدستور ولا باستقلال سلطة ثالثة.

