خلال أقل من 48 ساعة فقط، تحوّل الغاز المنزلي إلى قاتل صامت يحصد أرواح أسر كاملة في القليوبية والقاهرة ومحافظات أخرى، في سلسلة حوادث متقاربة زمنيًا وجغرافيًا تكشف أن ما يجري لم يعد «وقائع متفرقة»، بل خطرًا عامًا يهدد ملايين البيوت تحت غطاء توصيلات مهترئة، وصيانة غائبة، ورقابة لا تُرى إلا في البيانات الرسمية.

 

محافظة القليوبية تصدّرت المشهد الدامي؛ أم وأطفالها الأربعة في شبرا الخيمة، خمسة أطفال في قرية ميت عاصم ببنها، وأسرة أخرى لفظ الأب واثنان من أبنائه أنفاسهم الأخيرة في مستشفى ناصر العام، بينما تكافح الأم وطفل آخر للبقاء على قيد الحياة. وفي التجمع شرقي القاهرة، رحل زوجان داخل فيلا سكنية بسبب تسرب غاز لم يكتشف إلا بعد فوات الأوان. في غضون يومين فقط، لا يقل العدد عن 15 ضحية، بعضهم دُفن في صمت، وبعضهم تحوّل إلى خبر عابر في شريط الأخبار.

 

شبرا الخيمة وبنها والتجمع… خارطة موت مرسومة بالغاز

 

في منطقة أم بيومي بحي غرب شبرا الخيمة، استيقظ الجيران على رائحة غاز خانقة تسللت عبر السلالم والنوافذ، قبل أن تتكشف الفاجعة: أم وأطفالها الأربعة جثثًا هامدة داخل شقة في الطابق الثالث من عقار مكوّن من ستة طوابق. المعاينة الأولية تحدّثت عن تسرب غاز، وربما سخان أو موقد لم يُغلق بإحكام، لكن النتيجة واحدة: أسرة كاملة اختنق أفرادها في صمت، دون أن يلتقط أحد صوت استغاثة واحدة.

 

في واقعة أخرى بالقليوبية، استقبل مستشفى ناصر العام أسرة كاملة بعد تعرضها لاختناق يُرجَّح أنه ناجم عن تسرب غاز داخل المنزل. الأب واثنان من أبنائه وصلوا جثثًا، بينما نُقلت الأم وطفل آخر إلى العناية المركزة في حالة حرجة. تتكرر التفاصيل ذاتها: شقة سكنية، تسرب غير ملحوظ، تأخر في الإنقاذ، وتحقيقات لاحقة تحاول «تحديد سبب الحادث» بعد أن يكون الموت قد قام بدوره.

 

أما قرية ميت عاصم التابعة لمركز بنها، فاستيقظت على واحدة من أكثر الحوادث إيلامًا: خمسة أطفال أشقاء، جميعهم قُصّر، اختنقوا داخل منزلهم نتيجة تسرب الغاز، لتتحول القرية في ساعات إلى بيت عزاء كبير، ولتضيف القليوبية إلى سجلها الأسود مزيدًا من الضحايا الذين كان يمكن إنقاذهم لو كانت منظومة الأمان تعمل كما ينبغي.

 

وفي التجمع شرقي القاهرة، لم تنجُ الفيلات الفارهة من الخطر ذاته؛ زوجان وُجدا متوفيين داخل فيلا سكنية بعد تعرضهما لاختناق بسبب تسرب غاز. هنا لا يمكن تعليق الحادثة على شماعة «العشوائيات» أو «البناء المخالف»، بل على خلل أعمق في ثقافة الأمان، وفي رقابة الدولة على الشركات العاملة في التركيب والصيانة، ومعايير السلامة في الأجهزة المتداولة في السوق.

 

تركيب عشوائي وصيانة غائبة.. حين يتحول الغاز إلى سلاح في المنزل

 

خبراء السلامة المهنية يربطون تكرار هذه المآسي بعدة أسباب فنية واضحة، لكنها معروفة ومهملة في آن واحد. يبدأ الخطر من لجوء كثير من الأسر – خاصة في العقارات القديمة أو الشقق التي شهدت تعديلات داخلية – إلى تركيب توصيلات الغاز عبر «صنايعية» غير معتمدين، دون إشراف فني من الشركات المختصة أو الجهات الرقابية، بهدف التوفير في التكلفة أو تسريع التوصيل.

 

تضاف إلى ذلك مشكلة السخانات وأجهزة التسخين التي تُركب داخل حمامات أو مطابخ مغلقة بلا تهوية حقيقية، في شقق صغيرة مكتظة لا نوافذ فيها ولا منافذ كافية لخروج الغازات. كثير من هذه السخانات قد لا يكون مطابقًا لمعايير الأمان أو تقادمت حالته دون صيانة، فيتحول إلى قنبلة موقوتة.

 

الصيانة الدورية – إن وُجدت في الأصل – غالبًا ما تكون شكلية؛ محابس ومواسير ووصلات تمرّ عليها السنوات دون فحص حقيقي، إلى أن يحدُث التسرب، ولا يكتشف أحد الأمر إلا بعد أن تمتلئ الغرفة بالغاز، وتختفي الأوكسجين، ويتسلل الموت إلى رئات سكان البيت واحدًا تلو الآخر.

 

أما حساسات كشف تسرب الغاز، التي باتت جزءًا أساسيًا من معايير الأمان في كثير من دول العالم، فما زالت في أغلب البيوت المصرية «ترفًا» لا مكان له، لا في الثقافة العامة ولا في سياسات الدولة، رغم أن تكلفة الواحد منها أقل بكثير من ثمن حياة واحدة.

 

دولة حاضرة في الجباية.. غائبة عن الأمان والرقابة

 

بين كل حادثة وأخرى، نسمع الجملة نفسها: «النيابة العامة تباشر التحقيقات، والاستعانة بخبراء فنيين لفحص موقع الحادث»، لكن السؤال الأكبر يبقى بلا إجابة: لماذا لا تتحرك الجهات المعنية قبل الكارثة؟ ولماذا لا تُفرض مراجعة شاملة لشبكات الغاز المنزلية، خاصة في المناطق القديمة وذات الكثافة العالية، بدل الاكتفاء بتقارير ما بعد الوفاة؟

 

الدولة التي لا تتردد في رفع أسعار الفواتير، وفرض الرسوم والضرائب، وتتبّع استهلاك المواطن، تكاد تكون غائبة حين يتعلق الأمر برقابة صارمة على شركات التركيب والصيانة، أو بإلزام السكان بخطوات أمان أساسية، أو بدعم حقيقي لأجهزة كشف التسرب في البيوت، خصوصًا للفئات الأكثر هشاشة.

 

ما يجري اليوم يجعل من تسرب الغاز أزمة سلامة عامة لا حوادث فردية؛ أزمة تكشف هشاشة البنية التحتية، وضعف ثقافة الأمان، والأخطر: استهانة بحياة الناس ما دامت الخسائر تُحصر في أرقام على الورق.

 

طالما بقيت توصيلات الغاز تُدار بالعشوائية ذاتها، وطالما ظل تركيب الأجهزة وصيانتها خاضعًا للصدفة والوساطة والتوفير على حساب الأمان، سيبقى «القاتل الصامت» يتسلل من تحت الأبواب وفي ظلام الليل، ليحوّل شقق الأسر الفقيرة والمتوسطة – وربما الفاخرة أيضًا – إلى مقابر مغلقة، لا يفتح بابها إلا رجال الإسعاف والشرطة بعد فوات الأوان.