تتراكم إشارات التصعيد في الإقليم من جديد: وزير خارجية تركيا يحذر من أن إسرائيل «تبحث عن فرصة» لضرب إيران، ومسؤول إيراني رفيع يتوعد باعتبار أي هجوم «حربًا شاملة»، وواشنطن تدفع بمزيد من القطع البحرية إلى الشرق الأوسط تحت عنوان «الاستعداد لأي طارئ».

 

وفي الخلفية، وثيقة استراتيجية دفاع أمريكية جديدة تضع إيران وإسرائيل في قلب الرؤية الأمنية لواشنطن، وتذكير بحرب لم يمضِ عليها عام، خاضتها تل أبيب وطهران على مدى 12 يومًا بمشاركة عسكرية أمريكية مباشرة. في هذه الأجواء، يبدو أن المنطقة تعيش على حافة جولة جديدة، يُخشى أن تكون أوسع وأخطر من كل ما سبق.

 

تحذيرات أنقرة وتهديدات طهران: «أي هجوم يعني حربًا شاملة»

 

في مقابلة تلفزيونية، كشف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن قراءة مقلقة للمشهد، حين قال إن إسرائيل «على وجه الخصوص، تبحث عن فرصة لضرب إيران»، معربًا عن أمله في أن يُعثر على مسار مختلف، لكنه حذّر من أن أي هجوم من هذا النوع لن يبقى محصورًا بين طرفين، بل سيفتح الباب أمام تداعيات أمنية واسعة على مستوى الإقليم بأكمله.

 

على الجانب الآخر، نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول إيراني «كبير» – لم يُكشف اسمه – لهجته الأكثر صراحة وحدّة، مؤكدًا أن طهران ستتعامل مع أي هجوم، «سواء كان محدودًا أو شاملًا أو ضربة دقيقة أو استهدافًا عسكريًا مباشرًا»، على أنه حرب شاملة ضد إيران، مع وعد بالرد «بأقوى طريقة ممكنة لحسم هذا الأمر».

 

المسؤول أقرّ بأن إيران تأخذ الحشد العسكري الأمريكي في المنطقة على محمل الجد، في ضوء تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن أن «القوة الضاربة في طريقها إلى الشرق الأوسط»، لكنه أضاف أن الجيش الإيراني «مستعد لأسوأ السيناريوهات»، وأن حالة الاستعداد القصوى مفروضة على مختلف التشكيلات العسكرية.

 

في المقابل، حاول نائب قائد القوة البحرية في الحرس الثوري تبديد صورة الحرب الوشيكة، معتبرًا أن «أي هجوم على إيران غير وارد»، وأن حديث ترامب عن «هجوم خاطف» لا يعدو أن يكون وهمًا، مشددًا على أن طهران تمتلك «سيطرة ذكية وكاملة» على مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.

 

حشد أمريكي ورسائل استراتيجية مزدوجة: «السلام بالقوة» بلا حروب طويلة؟

 

التصريحات السياسية لا تنفصل عن ما تدونه الوثائق الأمريكية الرسمية. فقد أصدرت وزارة الدفاع الأمريكية استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026، معلنة استمرار نهج «السلام من خلال القوة»، مع تأكيد في الوقت نفسه على أن واشنطن «لن تنخرط في حروب لا نهاية لها أو تغيير أنظمة»، في محاولة واضحة للجمع بين الردع العسكري وتطمين الرأي العام الأمريكي المتعب من الحروب الطويلة.

 

الاستراتيجية وضعت إيران في قلب التهديدات التي تتعامل معها الولايات المتحدة، مؤكدة أنه «لن يُسمح لطهران بالحصول على سلاح نووي»، وأنها – رغم «انتكاسات شديدة» – تسعى لإعادة بناء قدراتها العسكرية التقليدية، مع تراجع قوة بعض وكلائها واحتمال سعيهم لإعادة تنظيم بنيتهم التحتية.

 

أما بشأن إسرائيل، فترى الوثيقة أن هناك «فرصة لتمكينها بشكل أكبر من الدفاع عن نفسها وتعزيز المصالح المشتركة لتأمين السلام في الشرق الأوسط»، صياغة يقرأها مراقبون باعتبارها غطاء سياسيًا وعسكريًا لتوسيع هامش الحركة الإسرائيلية، في وقت تتحدث فيه أنقرة عن رغبة إسرائيل في استغلال اللحظة الحالية لضرب إيران، وتلوّح طهران باعتبار أي ضربة «إعلان حرب».

 

على الأرض، يترجم هذا كله في صورة حشد بحري وجوي أمريكي؛ إذ تحدث ترامب للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» عن «عدد كبير من السفن التي تتحرك في ذلك الاتجاه، تحسبًا لأي طارئ»، مؤكدًا أنه لا يرغب في مواجهة مباشرة، لكنه «يراقب عن كثب» التطورات.

 

ذاكرة حرب يونيو والاحتجاجات الداخلية: إشعال من الداخل والخارج

 

التصعيد الحالي لا يأتي من فراغ. قبل أشهر قليلة فقط، خاضت إسرائيل وإيران حربًا استمرت 12 يومًا في يونيو/حزيران، شاركت فيها الولايات المتحدة بشن غارات جوية على إيران قالت إنها تستهدف «ردع طهران عن تطوير برنامجها النووي»، بينما ردت إيران بإطلاق صواريخ على قاعدة العديد الجوية الأمريكية في قطر، إلى أن أعلن ترامب إنهاء الحرب بـ«اتفاق». هذه الجولة تركت وراءها انطباعًا بأن خطوط الاشتباك المباشر باتت أقل تحريمًا مما كانت عليه في الماضي.

 

داخليًا، تعيش إيران حالة توتر إضافية، مع موجات احتجاج متجددة في الشارع، تراها طهران جزءًا من «حرب هجينة» تديرها واشنطن لتحويل التظاهرات إلى صراع مسلح، فيما تلوّح الإدارة الأمريكية بخيارات «في غاية القوة» ضد النظام الإيراني إذا تجاوز «الخطوط الحمراء» في الداخل والخارج.

 

في هذا المشهد المتشابك، تبدو كل ورقة ضغط متاحة على الطاولة:

 

•  إسرائيل تترصد لحظة ترى أنها مناسبة لتصفية حساباتها مع إيران، أو على الأقل ضرب جزء من بنيتها النووية أو الصاروخية.


•  واشنطن تلوّح بالقوة وتسعى لتثبيت معادلة ردع جديدة، دون الغرق في حرب برية طويلة.


•  طهران تحاول إقناع الجميع أن أي «ضربة محدودة» لن تمرّ كالسابق، بل ستُعامل كحرب شاملة تستدعي استخدام كل ما لديها من أدوات.


النتيجة أن المنطقة تُدار اليوم بمنطق «حافة الهاوية»؛ الجميع يلوّح بقوته، والجميع يتحدث عن أنه لا يريد الحرب، لكن أي خطأ في الحسابات – صاروخ زائد، أو ضربة «استباقية» خارج السيطرة – قد يفتح الباب أمام مواجهة لا تشبه ما سبق، في منطقة تختزن ما يكفي من الأزمات لتشتعل بأسرها في لحظة واحدة.