في بلد تُلقَّب فيه الطماطم بـ«ميزان السوق»، يكفي أن تقف أمام أي بائع خضار لتعرف حجم الكارثة. خلال أسبوعين فقط قفز كيلو الطماطم من 7 جنيهات إلى 18 جنيهًا، مع توقعات نقيب الفلاحين صدام أبو حسين بوصولها إلى 20 جنيهًا خلال فبراير، وربما إعادة سيناريو العام الماضي عندما لامست الـ30 و35 جنيهًا للكيلو في بعض المناطق الراقية.
ورغم أن الحكومة تواصل ترديد خطاب «استقرار الأسواق»، فإن الواقع يقول إن طبق السلطة يتحوّل تدريجيًا إلى رفاهية، وإن الفلاح والمستهلك معًا يُسحقان تحت سياسات زراعية وسوقية فاشلة.
فجوة العروات.. حين تتحول «الطبيعة الزراعية» إلى شماعة رسمية
يُرجع نقيب الفلاحين صدام أبو حسين (حسين عبد الرحمن أبو صدام) قفزة الأسعار الحالية إلى انتهاء حصاد العروة السابقة، ودخول السوق في فترة فراغ حتى بدء جني العروة الشتوية مع نهاية مارس تقريبًا، وهو ما يعني نقصًا حادًا في المعروض أمام طلب ثابت بل ومتزايد مع اقتراب رمضان، لترتفع الأسعار تلقائيًا. هذه القراءة الفنية صحيحة من حيث المبدأ، لكن الخطير أنها تتكرر حرفيًا كل عام دون أي تدخل جاد لتقليص أثر «فجوة العروات» على موائد الفقراء.
فإذا كانت الدولة تعلم مسبقًا مواعيد الزراعة والحصاد، فلماذا لا يوجد نظام حقيقي للزراعات التعاقدية يضمن استمرار المعروض بسعر عادل؟ ولماذا تُترك مسألة التخزين والنقل بالكامل لتجار وسماسرة يتحكمون في السوق؟ خبراء الاقتصاد الزراعي يحذرون منذ سنوات من أن الفجوة بين العرض والطلب في السلع الأساسية تفتح الباب للمضاربات وجنون الأسعار، وأن غياب التخطيط المسبق يجعل كل «فجوة عروة» تتحول إلى موجة غلاء لا ينجو منها أحد.
تكاليف الإنتاج تدهس الفلاح.. والربح يذهب للوسطاء
وراء كل كيلو طماطم يصل للمستهلك بثمن مضاعف، فلاح يقف على حافة الخسارة. أستاذ الاقتصاد الزراعي عبد الحكيم نور الدين يشرح أن المزارع اليوم يواجه قفزات متواصلة في أسعار التقاوي، والمبيدات، والأسمدة، والديزل المستخدم في الري والميكنة، ما يجعل الزراعة نشاطًا عالي المخاطر منخفض العائد مقارنة حتى بوضع الأموال في البنوك.
ويضيف أستاذ الاقتصاد الزراعي مدحت عنيبر أن الفلاح المصري في مواجهة «حزمة متراكمة من التحديات»، من محدودية الموارد المائية إلى تقلبات الأسعار وغياب دعم حقيقي لمستلزمات الإنتاج، لافتًا إلى أن الدولة تتحدث نظريًا عن دعم الفلاح، لكنها تتركه عمليًا في مواجهة سوق حرة متوحشة، بلا حماية من تقلبات المدخلات أو جشع الوسطاء.
الأخطر أن الفلاح لا يحصل إلا على الفتات من موجات الغلاء. فبحسب تقديرات خبراء الاقتصاد الزراعي، يستحوذ السماسرة وتجار الجملة والتجزئة على نحو 60% من هامش الربح في الخضروات والفاكهة، مقابل 40% فقط للمزارع الذي يتحمل كلفة الزراعة والمخاطر المناخية وتلف المحصول. ومع المحاصيل سريعة التلف مثل الطماطم، يضطر الفلاح لبيع إنتاجه بأي سعر يُفرض عليه خوفًا من خسارته بالكامل، بينما يُعاد بيع نفس الكيلو بأضعاف السعر في أسواق التجزئة.
في النهاية، لا المستهلك يستفيد من ارتفاع الأسعار، ولا الفلاح يحصل على عائد منصف؛ المستفيد الحقيقي هو حلقات الوساطة التي تعمل في ظل غياب تام لرقابة الدولة على هوامش الربح، أو إلزام التجار بهوامش عادلة في السلع الغذائية الأساسية.
صادرات، مضاربات، وغياب دولة تحمي «طعام الناس»
الحديث الرسمي المتكرر عن «استقرار السوق» يصطدم برؤية خبراء يرون أن ما يحدث أبعد من كونه مجرد «طبيعة موسمية». الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الأراضي والمياه بجامعة القاهرة، حذّر في تحليلات سابقة من أن فتح باب التصدير دون ضوابط في فترات معينة ساهم في ارتفاع أسعار الخضروات داخل مصر، وأشار إلى أن المواطن في بعض دول الخليج ولبنان كان يشتري الطماطم المصرية بسعر أقل مما يدفعه المصري نفسه بعد تعويم الجنيه، بسبب ما تمنحه فروق العملة من ميزة تصديرية على حساب السوق المحلي.
في المقابل، تؤكد د. هبة الله علي محمود، أستاذة الاقتصاد الزراعي، أن استقرار الأسواق لن يتحقق إلا عبر مزيج من زيادة الإنتاج المحلي، وبناء مخزون استراتيجي للسلع الأساسية، وتشديد الرقابة على الممارسات الاحتكارية والتخزين المتعمد لخلق ندرة مصطنعة، مع ضبط سعر الصرف الذي يرفع تكاليف المدخلات الزراعية كلما اهتز الجنيه أمام الدولار.
لكن ما يحدث على الأرض هو العكس تقريبًا؛ فالدولة تكتفي بإطلاق مبادرات موسمية مثل «أهلاً رمضان» لبيع جزء محدود من السلع بأسعار أقل داخل معارض محدودة، بينما تُترك بقية السوق رهينة لمزاج كبار التجار وتقلبات العُملة والوقود. لا يوجد سقف حقيقي لهوامش الربح، ولا شفافية في تكلفة الإنتاج والتوزيع، ولا مساءلة لمن يرفع السعر بين ليلة وضحاها من 7 إلى 18 جنيهًا، ثم يطلب من المواطن أن «يتفهم ظروف السوق العالمية».
في النهاية، ارتفاع أسعار الطماطم ليس «نكتة موسمية» ولا «جنون مؤقت»، بل عرض لمرض أعمق في جسد الاقتصاد الزراعي والغذائي في مصر: فلاح بلا حماية، سوق بلا رقابة، وحكومة تكتفي بالتصريحات بينما تتحول أبسط مكونات المائدة اليومية إلى عبء لا يُحتمل على ملايين البيوت الفقيرة.

