في وقتٍ يشكو فيه ملايين المصريين من انتهاء باقات الإنترنت في أول عشرة أيام من الشهر، وانقطاع الخدمة وارتفاع الأسعار، خرج مصدر حكومي مسؤول في قطاع الاتصالات ليعلن أن توفير باقات إنترنت غير محدودة في مصر «أمر مستحيل» وأن المواطن «لن يستطيع تحمُّل تكلفة ذلك».
تصريح أثار غضبًا واسعًا، ليس فقط لأنه يغلق باب النقاش من أساسه، بل لأنه يحمِّل المواطن مسبقًا مسؤولية عجز المنظومة، وكأن الشركات والحكومة تعملان بالخسارة لا بالأرباح الضخمة التي يقرّ بها الجميع.
وراء هذا التصريح، تتكشف أزمة أعمق: فجوة متزايدة بين رؤية المسؤولين، وتجربة المستخدم اليومية، وبينهما أصوات خبراء اتصالات واقتصاد رقمي يرون أن المشكلة ليست في «استحالة» الإنترنت غير المحدود، بل في أولوية الأرباح على حساب حق الناس في خدمة عادلة ومعقولة التكلفة.
باقات تنفد في 10 أيام.. والاتهام موجّه للمستهلك لا للخدمة
إذا سألت أي مستخدم إنترنت موبايل تقريبًا عن أكبر معاناته، سيأتي الجواب سريعًا: «الباقة بتخلص قبل نص الشهر». شكاوى متكررة من نفاد السعات في غضون 7–10 أيام، حتى مع استخدام يبدو عاديًا: واتساب، فيسبوك، يوتيوب بجودة متوسطة، وتطبيقات العمل أو الدراسة عن بُعد.
تقارير صحفية متخصصة رصدت هذا الإحساس العام، وتوقفت عند سؤال بات متداولًا: أين تذهب الباقة؟ هل المشكلة في استهلاك المستخدم، أم في طريقة احتساب الجيجا، أم في تصميم الباقات نفسها بحيث تُجبر الناس على الشراء المتكرر؟
في المقابل، تلقي تصريحات المسؤول الحكومي اللوم كاملًا على المواطن، بزعم أنه لن يتحمّل تكلفة باقات غير محدودة، متجاهلًا أن المواطن لا يتحمّل أصلًا تكلفة ما يدفعه حاليًا مقارنة بدخله، وأن الإنترنت لم يعد رفاهية ليتعامل معها الخطاب الرسمي كأنه «تسالي» بل ضرورة للعمل، والتعلم، والوصول للخدمات الحكومية نفسها.
من داخل البرلمان، سبق أن نبّهت النائبة مها عبد الناصر – وكيلة لجنة الاتصالات – إلى تزايد شكاوى المواطنين من نفاد الباقات قبل نهاية الشهر، وطالبت الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بمراجعة سياسات التسعير، ودراسة بدائل أكثر عدالة، بينها الإنترنت غير المحدود أو رفع السعات جذريًا للباقات الحالية، بدل الاكتفاء بحملات دعائية عن «تحسين الخدمات» لا يشعر بها المستخدم العادي.
بهذا المعنى، فإن تصريح «الاستحالة» لا يأتي في فراغ، بل يبدو كأنه رد دفاعي مسبق على مطالب مجتمعية مشروعة، بدل أن يكون بداية حوار جاد حول ما يمكن فعله لتحسين الخدمة وكسر معادلة «باقة صغيرة + سعر عال = أرباح مضمونة».
هل الإنترنت غير المحدود مستحيل فعلاً؟
رؤية تقنية مختلفة من خبراء الاتصالات
من الناحية الفنية، لا يوجد خبير اتصالات جاد يقول إن الإنترنت غير المحدود «مستحيل» كفكرة؛ ما يقال عادة هو أن تطبيقه يتطلب استثمارات ضخمة وتنظيمًا رشيدًا لاستخدام الشبكة.
الدكتور عمرو بدوي، الرئيس التنفيذي الأسبق للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، سبق وأن تحدث أكثر من مرة عن قدرة الشبكات المصرية على استيعاب سرعات أعلى وسعات أكبر، إذا توافرت استثمارات كافية في البنية التحتية وتطوير الكابلات والألياف والمقاسم، لافتًا إلى أن جزءًا من المشكلة تاريخيًا كان يتمثل في تصميم باقات ضيقة تحوّل الإنترنت إلى «وحدات» تباع للمستخدم بأعلى سعر ممكن، بدل النظر إليه كخدمة أساسية يجب تعظيم انتشارها.
من جانبه، يشير خبير أمن المعلومات والتكنولوجيا وليد حجاج في أكثر من مناسبة إلى أن نمط استخدام المصريين للإنترنت تغيّر جذريًا: تطبيقات فيديو، بث مباشر، منصات تعليمية وترفيهية؛ وكلها تستهلك بيانات ضخمة مقارنة بزمن التصفح النصي والصور. هذا التحول، من وجهة نظره، يفرض ضرورة مراجعة تصميم الباقات وأسعارها، لا الاكتفاء بإلقاء اللوم على المستخدم الذي «يحرق الباقة» بينما هو في الواقع يستخدم الإنترنت بالطريقة التي صارت معيارًا عالميًا.
الخبير في الاقتصاد الرقمي ونائب رئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي عبد الوهاب غنيم يؤكد في تصريحات إعلامية أن مصر أصبحت الأولى إفريقيًا في سرعة الإنترنت الثابت، بفضل استثمارات في البنية التحتية. وإذا صح هذا الكلام، فالمفارقة تصبح أوضح:
إذا كانت الشبكة قوية بالفعل وتحتل مراكز متقدمة في السرعة، فكيف يصبح توفير باقات أكثر سخاءً أو شبه غير محدودة «مستحيلاً» من حيث المبدأ؟
التفسير الأقرب هو أن القرار ليس تقنيًا بقدر ما هو تجاري وتنظيمي: إلى أي حد تريد الدولة والجهاز المنظم أن يلزما الشركات بتقديم خدمة أفضل بهوامش ربح أقل، أو نماذج تسعير بديلة، مثل:
• إنترنت منزلي غير محدود بسرعات مختلفة بمقابل ثابت معقول.
• أو باقات موبايل ذات سعات كبيرة حقيقية تناسب الاستعمال العصري، بدل ٨ أو ١٠ جيجا «تتبخر» في أيام.
هنا يصبح كلام «الاستحالة» أقرب إلى محاولة إغلاق النقاش، لا توصيفًا دقيقًا لقيود حقيقية.
من المستفيد من بقاء الوضع كما هو؟
أرباح شركات وباقات منهِكة.. ومواطن يدفع الثمن ثلاث مرات
بعيدًا عن اللغة الناعمة عن «عدم قدرة المواطن على تحمّل التكلفة»، تكشف الأرقام الرسمية أن قطاع الاتصالات من أعلى القطاعات نموًا وربحية في الاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيرة، وأن شركات المحمول والإنترنت تحقق عوائد مليارية من خدمات الصوت والبيانات معًا.
في هذا السياق، يصبح من الصعب ابتلاع فكرة أن الشركات «ترحم» المواطن بعدم طرح إنترنت غير محدود؛ الواقع أن استمرار نظام الباقات المحدودة هو أكثر النماذج ربحيةً للشركات، لأنه يجبر المستخدم على:
1. شراء باقة كبيرة من البداية تفوق احتياجه خوفًا من النفاد،
2. أو شحن باقات إضافية خلال الشهر بأسعار أعلى من الباقة الأساسية،
3. أو القبول بسرعة «مخنوقة» بعد انتهاء الباقة مع استمرار الخصم المالي.
الدكتور عبد الوهاب غنيم نفسه يحتفي بتحول مصر إلى مركز إقليمي في التحول الرقمي، لكن التحول الرقمي لا يُقاس فقط بعدد الكابلات ومحطات الاتصالات، بل أيضًا بحق المواطنين في وصول عادل ورخيص نسبيًا للإنترنت، كشرط أساسي للتعليم والعمل والخدمات الحكومية.
أما الخبير التكنولوجي وليد حجاج فيحذر من أن فجوة الأسعار والجودة بين ما يُقدَّم في مصر وما يحصل عليه المستخدم في دول أخرى بنفس مستوى الدخل تقريبًا، تؤدي إلى إضعاف القدرة التنافسية للمصريين في سوق العمل عن بُعد، وتهميش شرائح واسعة لا تستطيع دفع ثمن الإنترنت الذي تحتاجه فعلًا.
إلى جانب الأصوات التقنية، يلفت نواب وسياسيون مثل مها عبد الناصر الانتباه إلى أن الإنترنت لم يعد «رفاهية فردية» بل خدمة عامة تُستخدم في التعليم الجامعي، ومنصات الحكومة، والتقديم للوظائف، وتلقي الدعم النقدي نفسه. وعليه، فإن استمرار التعامل معه كسلعة تجارية خالصة خاضعة لمنطق «ادفع أكثر لتحصل أكثر» يعني ببساطة إقصاء الفقراء من الفضاء الرقمي، وتحويل التحول الرقمي إلى مشروع للنخبة فقط.
وفي ظل هذا كله، يظل تصريح المصدر الحكومي بأن الإنترنت غير المحدود «أمر مستحيل» وأن المواطن لا يتحمّل تكلفته، معلقًا في الهواء:
• لا يعترف بمعاناة الناس من نفاد الباقات في أول 10 أيام،
• ولا يفسّر كيف أصبح القطاع من الأعلى نموًا إذا كانت هوامش الربح ضئيلة،
• ولا يقدّم بدائل حقيقية لتخفيف العبء عن المستخدم.
النتيجة أن الرسالة التي يلتقطها المواطن بسيطة وقاسية: الدولة تقف في صف الشركات، لا في صف المستخدم.
ما يحتاجه القطاع اليوم ليس تصريحات تحسم النقاش من طرف واحد، بل:
• شفافية كاملة في تكلفة الجيجابايت وأرباح الشركات،
• حوار معلن بين جهاز تنظيم الاتصالات وخبراء مستقلين وممثلي المجتمع المدني،
• وخريطة زمنية واضحة لرفع سعات الباقات وخفض تكلفة البيانات تدريجيًا،
حتى لا تبقى عبارة «الإنترنت غير المحدود مستحيل» عنوانًا لسياسة عامة، بل مجرد رأي متعجل في لحظة دفاع عن وضع غير عادل.

