رست المدمرة الأميركية «يو إس إس ديلبرت بلاك» (USS Delbert D. Black) في ميناء إيلات جنوبي فلسطين المحتلة، في خطوة قالت عنها هيئة البث العبرية إنها تأتي في ظل استعدادات بالمنطقة لاحتمال تنفيذ هجوم أميركي على إيران، بينما حاول جيش الاحتلال الإسرائيلي التخفيف من دلالاتها بالإعلان أنها “نشاط روتيني ومخطط مسبقًا” ضمن التعاون العسكري مع واشنطن.

 

وصول هذه المدمرة، المنتمية للأسطول الخامس التابع للقيادة المركزية الأميركية (CENTCOM)، يتزامن مع أكبر حشد بحري أميركي في المنطقة منذ سنوات، ومع تصاعد التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران، ما يجعل الرسالة السياسية والعسكرية للخطوة أهم بكثير من مجرد “زيارة ميناء”.

 

تفاصيل وصول المدمرة الأميركية إلى إيلات والسياق الميداني

 

بحسب هيئة البث العبرية وموقع “واي نت” الإسرائيلي، رست المدمرة الأميركية في ميناء إيلات الواقع على خليج العقبة، قرب المثلث الحدودي بين مصر والأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة.

وأكدت هذه الوسائل أن الزيارة “مخطط لها مسبقًا” وتندرج ضمن التعاون بين الجيشين الأميركي والإسرائيلي، لكنها في الوقت نفسه ربطتها صراحة بالاستعدادات في المنطقة لاحتمال تنفيذ هجوم أميركي على إيران.

 

المصادر الإسرائيلية تشير إلى أن المدمرة جزء من منظومة أوسع من التعزيزات البحرية الأميركية في الشرق الأوسط، تشمل نشر حاملة طائرات ومدمرات وسفن قتال ساحلية إضافية، في إطار رفع الجاهزية لأي مواجهة محتملة مع إيران أو استهداف لمواقعها النووية والعسكرية.

 

من جهتها، نقلت وكالات أنباء عالمية – استنادًا إلى تسريبات من مسؤولين أميركيين – أن إرسال هذه المدمرة يعني رفع عدد المدمرات الأميركية في المنطقة إلى ست، إلى جانب حاملة طائرات وثلاث سفن قتال ساحلية، في مؤشر على أن واشنطن لا تتعامل مع التوتر الحالي كأزمة عابرة، بل كاحتمال تصعيد جدي يتطلب قدرة بحرية وجوية كبيرة للرد والردع في آن واحد.

 

جيش الاحتلال من جانبه حاول تقديم الحدث في إطار “زيارة ميناء” عادية، مؤكدًا أن الرسو في إيلات يأتي في نطاق نشاط روتيني وتنسيق مستمر مع القوات الأميركية.

لكن هذا التفسير “الرسمي” يتعارض مع طريقة تناول الإعلام العبري نفسه وخلفية التصعيد مع إيران، ما يفتح الباب أمام قراءة أوسع لدلالات الخطوة.

 

رسائل مباشرة إلى إيران وحلفائها في الخليج والبحر الأحمر

 

أولى الدلالات الواضحة لوصول المدمرة إلى إيلات هي الرسالة المباشرة لإيران بأن أي مواجهة محتملة لن تكون مقتصرة على الخليج العربي أو مضيق هرمز، بل ستشمل أيضًا البحر الأحمر وخليج العقبة والفضاء البحري المحيط بإسرائيل.

 

مصادر إسرائيلية وعربية متطابقة تشير إلى أن هيئة البث العبرية ربطت بوضوح بين قدوم المدمرة و”استعدادات في المنطقة لهجوم أميركي على إيران”، في وقت تتحدث فيه تقارير أخرى عن مناورات بحرية إيرانية–سينية–روسية ووجود مدمرات صينية قرب السواحل الإيرانية، ما يعكس سباق تموضع بحري بين المعسكرين الأميركي وحلفائه من جهة، وإيران وشركائها من جهة أخرى.

 

على الجانب الإيراني، صدرت تصريحات من مسؤولين في لجنة الأمن القومي بالبرلمان تحذر من أن أي “عمل طائش” أميركي سيُقابَل برد على “أعلى مستوى”، مع التلويح بأن الرد قد لا يقتصر على ضرب أهداف أميركية فحسب، بل قد يطال إسرائيل التي تُصوَّر في الخطاب الإيراني كجزء من منظومة التهديد.

 

في هذا السياق، يمكن قراءة رسو المدمرة في إيلات كجزء من عملية “عرض قوة” متبادَل:

 

  • واشنطن تؤكد عبر الوجود البحري والجوي المتزايد أنها قادرة على ضرب أهداف داخل إيران وحماية قواعدها وحلفائها في المنطقة.
  • طهران ترد عبر المناورات المشتركة مع الصين وروسيا والتصريحات النارية بأنها مستعدة لرد واسع قد يؤدي إلى إشعال أكثر من جبهة، من الخليج إلى شرق المتوسط وربما البحر الأحمر.

 

وجود المدمرة في ميناء إيلات تحديدًا يوجه كذلك رسالة إلى حلفاء أميركا العرب، لا سيما في الخليج، بأن واشنطن لن تتركهم وحدهم في حال اندلاع مواجهة شاملة، وأنها تملك القدرة على استخدام الموانئ الإسرائيلية كنقاط ارتكاز إضافية للعمليات البحرية في حال تهديد خطوط الملاحة أو منشآت الطاقة.

 

لماذا إيلات؟ الأبعاد الجيوسياسية وسيناريوهات التصعيد

 

اختيار ميناء إيلات ليس تفصيلًا فنيًا فقط، بل يحمل دلالات جيوسياسية واضحة. فالميناء المطل على البحر الأحمر وخليج العقبة يمثل نقطة التقاء بين مسارات الملاحة القادمة من قناة السويس شمالًا، ومن باب المندب والقرن الأفريقي جنوبًا، وهو ما يمنح أي قوة بحرية ترسو فيه قدرة على مراقبة وتأمين (أو تهديد) واحد من أهم شرايين التجارة العالمية ومسارات النفط والغاز.

 

رسو المدمرة في هذه النقطة يعني عمليًا أن البحرية الأميركية تقترب أكثر من مسرح عمليات محتمل يشمل:

  • حماية الملاحة في البحر الأحمر إذا توسع أي صراع مع إيران ليشمل أذرعها الإقليمية.
  • دعم منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية والأميركية المشتركة، في حال الرد الإيراني بصواريخ أو طائرات مسيرة بعيدة المدى.
  • توفير منصة لإطلاق صواريخ كروز أو صواريخ مضادة للطائرات يمكن أن تُستخدم في أي ضربة أولى أو في اعتراض رد إيراني.

 

كما أن هذه الخطوة تأتي بينما تتحدث تقارير إسرائيلية عن وجود طائرات تزويد بالوقود ومقاتلات أميركية بأعداد كبيرة في قاعدة العديد في قطر وقواعد أخرى في المنطقة، ما يعزز صورة “طوق عسكري” يضيق حول إيران بريًا وبحريًا وجويًا في آن واحد.

 

مع ذلك، لا يعني وصول المدمرة أن الحرب باتت حتمية أو وشيكة؛ فجزء مهم من هذه التحركات يهدف إلى الردع ورفع كلفة أي قرار إيراني بالتصعيد، وكذلك إلى تحسين موقع واشنطن التفاوضي في أي حوار محتمل حول الملف النووي أو النفوذ الإقليمي.

 

في النهاية، تبقى حقيقة أساسية: مجرد أن هيئة البث العبرية تربط علنًا بين رسو المدمرة في إيلات واحتمال هجوم على إيران، وأن واشنطن تواصل إرسال قطع بحرية إضافية للمنطقة، يعني أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة شديدة الحساسية؛ أي خطأ في الحساب من طرف ما قد يحوّل هذه “الزيارات الروتينية” إلى شرارة لمواجهة أوسع يدفع ثمنها الجميع، من الخليج إلى المتوسط.