أعلنت هيئة النيابة الإدارية المشرفة على انتخابات رئاسة حزب الوفد فوز السيد البدوي بمنصب رئيس الحزب بعد حصوله على 1312 صوتًا مقابل 1284 لمنافسه هاني سري الدين، في اقتراع شارك فيه 2614 عضوًا فقط من الجمعية العمومية.
رقم هزيل لحزب يُقدَّم رسميًا وإعلاميًا باعتباره “أقدم الأحزاب” و“بيت الأمة”، لكنه في الواقع يكشف حجم الانكماش التنظيمي والانفصال عن الشارع، مقابل حضور إعلامي مبالغ فيه حاول تصدير مشهد “حياة حزبية نشطة” لا وجود لها خارج شاشات الفضائيات.
انتخابات بصندوق صغير وإخراج إعلامي ضخم
على الورق، بدت العملية الانتخابية “نموذجية”: إشراف قضائي من هيئة النيابة الإدارية، تغطية تلفزيونية مباشرة، تصريحات عن “نقلة نوعية” في مسار الحياة الحزبية، واحتفاء مبالغ به من صحف وقنوات رسمية وخاصة.
لكن خلف هذا الإخراج المتقن، هناك رقم واحد يفضح كل شيء: 2614 عضوًا فقط هم من شاركوا في اختيار رئيس حزب يُفترض أنه تاريخيًا قاد الحركة الوطنية ومثّل ملايين المصريين.
المفارقة أن الانتخابات التي لا يتجاوز فيها الفارق بين المرشحين 28 صوتًا، وبنسبة مشاركة ضئيلة للغاية قياسًا بتاريخ الحزب، قُدِّمت كـ“حدث مفصلي” في الحياة السياسية، بينما لا يكاد للوفد أي وزن حقيقي في البرلمان أو الشارع، ولا حضور احتجاجي أو نقابي أو جماهيري يُذكر خلال السنوات الماضية.
الاهتمام الإعلامي المكثّف يبدو هنا أقرب إلى محاولة متعمدة لنفخ روح في جثة سياسية، وإقناع الرأي العام بأن في مصر “أحزابًا تتنافس” بينما المجال العام كله مغلق ومحكوم بسقف أمني صارم.
هذا التركيز على انتخابات “صغيرة” العدد يطرح سؤالًا بديهيًا: لو لم تكن السلطة في حاجة إلى صورة ديكورية عن تعددية حزبية، هل كانت كاميرات الإعلام الرسمي ستكلف نفسها عناء البث المباشر لمعركة لا تعني عمليًا شيئًا في توازن القوى الفعلي داخل الدولة؟
من حزب الحركة الوطنية إلى ديكور ثابت في مسرح السلطة
انتقال حزب الوفد من موقع “زعيم الحركة الوطنية” إلى خانة “الديكور السياسي” ليس حدثًا مفاجئًا، بل حصيلة عقود من التكيف مع السلطة والتدريج في فقدان الاستقلال لصالح المناورة والمقايضة.
سياسيون من مشارب مختلفة – من أبو العلا ماضي إلى عبد الغفار شكر وزياد العليمي وعمرو حمزاوي – انتقدوا في مناسبات متعددة تحوّل الأحزاب التاريخية وعلى رأسها الوفد إلى كيانات نخبوية مغلقة، منفصلة عن الشارع، تختار السلامة السياسية على حساب دورها الطبيعي كمعارضة تراقب وتحاسب وتدافع عن المجتمع.
أشار هؤلاء إلى أن الوفد تحديدًا فقد استقلاله منذ التسعينيات، وأصبح جزءًا من “ديكور شرعي” يوفّر للنظام غطاء تعددية شكلية، بينما قراراته وخطابه الفعليان لا يتجاوزان حدود ما تسمح به السلطة.
بعد ثورة يناير، بدت اللحظة مواتية لعودة “بيت الأمة” إلى دوره التاريخي، لكن القيادات المتعاقبة اختارت التموضع على هامش السلطة لا في مواجهة سياساتها، فدفع الحزب ثمنًا باهظًا: نزيف عضوية، غياب الشباب، وتآكل قواعده في المحافظات، حتى أصبح مجرد لافتة تاريخية تُستدعى عند الحاجة لتجميل مشهد سياسي خانق.
في هذا السياق، تبدو انتخابات اليوم استمرارًا لهذا المسار: صراع على مقعد في حزب بلا قاعدة، أكثر منه صراعًا على برنامج لإنقاذ حياة حزبية حقيقية أو استعادة دور معارض جدي.
ماذا يعني فوز السيد البدوي؟ إعادة تدوير أزمة لا تجديد حزب
السيد البدوي ليس وجهًا جديدًا على الوفد؛ الرجل سبق أن ترأس الحزب لدورات سابقة في 2010 ثم فاز مجددًا في 2014، في مراحل انتهت عمليًا إلى مزيد من الترهل وفقدان التأثير الجماهيري، رغم الوعود المتكررة بـ“إعادة الحزب إلى الشارع”.
عودة البدوي اليوم، بهذا الفارق الهش من الأصوات، لا تعني فتح صفحة جديدة بقدر ما تعني إعادة تدوير نفس النخبة التي أدارت الانهيار.
فهي رسالة لأعضاء الحزب وللنظام معًا: لا تغيير حقيقي داخل بيت الأمة، لا ضخ دماء جديدة، لا مراجعة لمسار التكيف مع السلطة، بل عودة رجل جرّبته السلطة ويعرف قواعد اللعبة جيدًا، ويعرف بدوره أين يقف خط “المسموح والمعقول” في دولة قبضتها الأمنية هي الحَكم الأخير في السياسة.
عدد الأصوات التي حصل عليها البدوي – 1312 صوتًا – يصبح أكثر فجاجة حين يوضع في سياقه الرمزي: رئيس “أقدم حزب تاريخي” في مصر، الذي حمل يومًا تاريخ النحاس وسعد زغلول، يصل إلى مقعده بألف وستمئة تقريبًا من أصوات أعضاء جمعية عمومية محصورة، بينما ملايين المصريين لا يسمعون عن الحزب إلا في مثل هذه المواسم الانتخابية المغلقة.
المغزى الأعمق أن هذه النتيجة، بكل ضعفها، تكفي السلطة والإعلام: المطلوب ليس حزبًا قويًا يحشد الجماهير ويفتح معارك سياسية حقيقية، بل علامة تجارية قديمة يتم تعليقها في واجهة النظام كلما احتاج إلى صورة “معارضة مسؤولة” تقف في الصف وتبارك الخط العام، مع هامش نقدي محدود لا يمس الجوهر.
بهذا المعنى، فإن فوز السيد البدوي برئاسة الوفد بـ 1312 صوتًا ليس انتصارًا لحزب تاريخي، بل شهادة إضافية على أن الحياة الحزبية في مصر تُدار بمنطق إعادة تدوير الوجوه والأزمات، لا بمنطق التغيير أو استعادة السياسة من تحت الركام.
وحين يُحتفل بهذا الرقم الهزيل كـ“عرس ديمقراطي”، يكون السؤال الحقيقي: أين الأمة من “بيت الأمة”؟ وأي مستقبل يمكن أن تصنعه أحزاب لا جمهور لها إلا في نشرات الأخبار؟

