حين يخرج مصطفى بكري ليقول إن ما جرى في 30 يونيو و3 يوليو “ما كانش انقلاب” وإن السيسي “تحرك كرجل دولة غاضب لإنقاذ الدولة من الاختطاف”، فهو لا يعبّر عن قراءة سياسية مختلفة بقدر ما يقدّم رواية دعائية تحاول تبرئة انقلاب عسكري مكتمل الأركان، جرى فيه انتزاع السلطة من أول رئيس مدني منتخب بالقوة المسلحة، وتعطيل الدستور، ثم إطلاق أوسع حملة قمع في تاريخ مصر الحديث، انتهت إلى دولة منهكة اقتصاديًا ومجتمع يعيش أسوأ أزماته.

 

الوقائع على الأرض، كما وثقتها تقارير دولية مستقلة، تقول عكس ما يروّجه بكري تمامًا.

 

 

3 يوليو: مشهد انقلاب عسكري لا “تحرك رجل دولة”

 

في مساء 3 يوليو 2013، خرج وزير الدفاع حينها عبد الفتاح السيسي بزيه العسكري، محاطًا بقادة الجيش والشرطة، وممثلين لمؤسسات دينية وسياسية، ليعلن عزل الرئيس المنتخب محمد مرسي، وتعطيل العمل بالدستور، وفرض “خريطة طريق” صاغتها قيادة الجيش، مع تعيين رئيس مؤقت من خارج صناديق الاقتراع.

هذه العناصر – عزل رئيس منتخب بقوة السلاح، تعليق الدستور، فرض سلطة انتقالية بقرار من الجيش – هي التعريف الكلاسيكي للانقلاب العسكري في أدبيات العلوم السياسية وتقارير مراكز الأبحاث.

 

رواية مصطفى بكري تتجاهل أن الجيش لم يكن “حَكمًا محايدًا بين أطراف سياسية”، بل طرفًا مباشرًا ومسلّحًا هو الذي قرر نهاية المسار الانتخابي بعد ثورة يناير.

تقارير تحليلية عديدة وصفت ما جرى بأنه قطع قسري لمسار تحول ديمقراطي هش، وعودة صريحة للحكم العسكري المباشر بعد فترة قصيرة من السيطرة المدنية الشكلية.

 

وإذا كان بكري يصوّر السيسي كـ“رجل دولة غاضب” تحرك حمايةً للدولة، فالواقع يقول إن السيسي استغل لحظة الاستقطاب الشعبي والغضب من أداء مرسي، ليحوّل الجيش من مؤسسة وطنية يفترض أن تحمي المسار الدستوري إلى أداة لاستعادة الحكم العسكري، ثم بنى على ذلك مشروعًا شخصيًا للسلطة امتد حتى اليوم، مع تعديلات دستورية تمد في بقائه وتوسع صلاحياته بلا رقابة حقيقية.

 

من “إنقاذ الدولة” إلى رابعة والاعتقالات وتصفية السياسة

 

أي حديث عن “إنقاذ الدولة” يصير بلا معنى إذا تجاهل ما جرى بعد الانقلاب مباشرة.

فبدل إدارة انتقال سياسي تفاوضي، جاء الرد على الاعتصامات الرافضة للانقلاب بمذبحة هي الأكبر في تاريخ مصر الحديث في ميداني رابعة العدوية والنهضة في 14 أغسطس 2013، حيث وثّقت منظمات حقوقية دولية – بينها هيومن رايتس ووتش – مقتل مئات المتظاهرين السلميين في يوم واحد، ووصفت ما جرى بأنه جريمة محتملة ضد الإنسانية تمت “وفق خطة مسبقة” وبإفراط واضح في استخدام القوة المميتة.

 

هذه المذبحة لم تكن “خطأً استثنائيًا”، بل نقطة انطلاق لحكم يقوم على سحق أي معارضة:

 

  • آلاف المعتقلين السياسيين من مختلف التيارات، إسلامية وليبرالية ويسارية.
  • محاكمات جماعية وأحكام إعدام بالجملة، ترفضها الهيئات الحقوقية الدولية بوصفها تفتقر لأدنى معايير العدالة.
  • إغلاق المجال العام: تجريم التظاهر، وتدجين الإعلام، ومطاردة الأحزاب المستقلة والنقابات الحرة.

 

أين “إنقاذ الدولة” في دولة تُعدم فيها السياسة ويُختزل فيها الوطن في شخص الحاكم؟ إن ما يدافع عنه مصطفى بكري ليس حماية الدولة من “الاختطاف”، بل هو تجريف للحياة السياسية والمجتمع المدني، وتحويل مصر إلى دولة أمنية مغلقة، لا مكان فيها لصندوق الاقتراع إلا كديكور.

 

بل إن القضاء نفسه، الذي يُفترض أنه ضامن للشرعية، تم توظيف أجزاء واسعة منه لتثبيت هذا المسار عبر أحكام سياسية واضحة، ثم امتد التغوّل لاحقًا إلى محاولة عسكرة تعيين القضاة أنفسهم عبر الأكاديمية العسكرية، كما تكشف أزمات القضاء الأخيرة.

أي أن “إنقاذ الدولة” تحوّل عمليًا إلى مشروع لـ“اختطاف الدولة” بالكامل لصالح منظومة عسكرية–أمنية.

 

حصاد اغتصاب السلطة: اقتصاد منهك ودولة مرهونة للديون

 

إن أسهل ما يفضح كذب خطاب مصطفى بكري هو النظر إلى حصيلة حكم السيسي بعد أكثر من عقد على الانقلاب. لو كان ما جرى “إنقاذًا للدولة”، لكانت النتيجة استقرارًا سياسيًا واقتصادًا أقوى ومؤسسات أكثر كفاءة؛ لكن ما يقوله الواقع المعاش والتقارير الدولية شيء آخر تمامًا.

 

دراسات صادرة عن مراكز أبحاث اقتصادية دولية ترى أن مصر تعيش أسوأ أزماتها الاقتصادية في العقود الأخيرة: تضخم قياسي أكل دخول الفقراء والطبقة الوسطى، وانهيار متكرر لقيمة الجنيه، وقفزات هائلة في أسعار الغذاء والخدمات الأساسية.

 

المشكلة ليست فقط في “الظروف العالمية”، كما يكرر إعلام السلطة، بل في نموذج اقتصادي قائم على:

 

  • مشروعات ضخمة ممولة بالديون (عواصم جديدة، كباري وطرق، توسع عشوائي في مشروعات لا عائد حقيقي لها بالسرعة المطلوبة).
  • توسع غير مسبوق لدور الجيش في الاقتصاد، ما يطرد القطاع الخاص الجاد، ويخلق سوقًا غير متكافئة تستفيد فيها الشركات التابعة للمؤسسة العسكرية من الإعفاءات والامتيازات والسرية.

 

حتى صندوق النقد الدولي – الذي لا يُعرف عنه التشدد السياسي – انتقد بوضوح هيمنة الدولة والجيش على الاقتصاد، واعتبرها عقبة أمام نمو القطاع الخاص وخلق الوظائف، وحذّر من مخاطر تراكم الديون الخارجية نتيجة سياسة الإنفاق الحكومي المفرط على المشروعات الكبرى.

 

إذا أضفنا إلى ذلك التدهور الحاد في مؤشرات الحريات وحقوق الإنسان، وهجرة الكفاءات والشباب إلى الخارج، وانهيار الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، سنجد أن ما يسميه مصطفى بكري “إنقاذًا من الاختطاف” هو في الحقيقة مسار متكامل لاغتصاب السلطة واغتصاب المنصب، واختطاف الدولة ذاتها لصالح حكم فردي مسنود بالعسكر.

 

في النهاية، لا يمكن لأي قدر من الخطابة – مهما علا صوتها في الفضائيات – أن يمحو حقيقة أن السيسي جاء إلى السلطة على ظهر دبابة، لا عبر صندوق اقتراع حرّ؛ وأن الثمن الذي دفعته مصر من دماء أبنائها وحريتهم ولقمة عيشهم، منذ 3 يوليو وحتى اليوم، هو الدليل الأقوى على أن رواية مصطفى بكري ليست سوى محاولة متواصلة لتجميل انقلاب عسكري دموي، حمل البلاد من أمل الانتقال الديمقراطي بعد ثورة يناير إلى نفق طويل من القمع والديون وانسداد الأفق.