خلال تسعة أيام فقط، سجّل معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ٥٧ حوالي ٤٬٥٩٢٬٢٩٥ زائرًا، وفق أرقام رسمية لوزارة الثقافة؛ رقم ضخم غير مسبوق في تاريخ المعرض، ويفوق أحيانًا أعداد زوّار معارض كبرى على مستوى العالم.
المعرض نفسه هو الأضخم في تاريخه من حيث عدد الناشرين (١٤٥٧ ناشرًا من ٨٣ دولة) والعارضين، ما جعل الحكومة تقدّمه كدليل ساطع على «ازدهار الثقافة» في مصر.
لكن خلف لغة الاحتفالات الرسمية، يطل سؤال مُحرِج:
هل هذه الملايين تعني فعلًا أننا أمام نهضة حقيقية في القراءة، ولا سيما بعد سنوات من الشكوى من تراجع معدلات القراءة عربيًا، أم أننا أمام كرنفال اجتماعي ضخم تُستخدم فيه الكتب كديكور لحدث موسمي، أكثر منه تعبيرًا عن ثقافة متجذرة في الحياة اليومية؟
الأرقام تقول إن الدورة السابقة (رقم ٥٦) حققت حوالي ٥,٥٥ مليون زائر في المجمل، في حين تتراوح تقديرات الحضور التاريخية للمعرض عادة بين مليون إلى مليوني زائر.
ومع ذلك، تبقى العلاقة بين «عدد الأقدام التي دخلت المعرض» و«عدد العيون التي قرأت فعلًا» موضع شك حقيقي، خصوصًا في ظل تحوّل أنماط استهلاك المعرفة عالميًا لصالح المنصات الرقمية والكتاب الإلكتروني والصوتي.
ملايين الأقدام لا تعني ملايين العيون على الصفحات
السلطة الثقافية في مصر سارعت لتقديم الرقم القياسي للزوار بوصفه انتصارًا للقراءة، حتى أن وزير الثقافة ربط بين الإقبال الجماهيري ودور الثقافة في «التنمية المستدامة» و«تجديد الوعي العام». لكن هذا الربط يبدو مريحًا سياسيًا أكثر منه دقيقًا معرفيًا.
في الواقع، هناك فجوة واضحة بين «زيارة المعرض» و«ممارسة القراءة». كثير من الزوار يدخلون دون أن يشتروا كتابًا واحدًا، أو يشترون كتابًا/كتابين على الأكثر من باب الدعوة أو مجاملة لكاتب مفضّل، ثم تعود الكتب إلى الرفوف دون أن تُفتح.
تجارب مماثلة في معارض عربية وأجنبية تُظهر أن جزءًا معتبرًا من الحضور يأتي من باب الفضول، أو التنزّه، أو اصطحاب الأطفال، أو حضور حفلات وفعاليات فنية، وليس بدافع مشروع قرائي مستمر.
المفارقة أن بعض المؤشرات الدولية ترسم صورة متناقضة:
- «مؤشر القراءة العربي» وضع مصر في مرتبة متقدمة عربيًا من حيث عدد ساعات القراءة السنوية، حيث وصلت إلى قرابة ٦٤ ساعة و٢٧ كتابًا للفرد في نتائج نشرها عام ٢٠١٦.
- بيانات أحدث، نشرها موقع World Population Review وأعادت تداولها منصات مصرية، تقول إن المصريين قرؤوا في ٢٠٢٤ متوسط ٥,٤١ كتاب في السنة، ما يعادل حوالي ١٢١ ساعة قراءة (ورقي، وإلكتروني، وصوتي).
هذه الأرقام – حتى لو صحّت بالكامل – لا تزال بعيدة عن تحويل «٤,٥ مليون زائر» إلى دليل قاطع على انفجار في ثقافة القراءة؛ هي بالأحرى تُظهر أن هناك استعدادًا كامنًا للقراءة، لكن هذا الاستعداد يتوزع على العام كله، ولا يُختزل في أسبوعين من الزحام عند بوابات المعرض.
الدكتور أحمد الشهاوي – في تعليق نقدي على الظاهرة – يلخّص المعضلة بقوله إن زيارة المعرض «طقس اجتماعي وثقافي موسمي»، بينما القراءة «فعل يومي، وجُهد نفسي وزمني مستمر»، مشيرًا إلى أن المؤشر الحقيقي ليس عدد من مرّوا على بوابات المعرض، بل كم كتاب خرج من هذا المعرض إلى بيت القارئ، ثم فُتح فعلًا وقُرئ حتى آخر صفحة.
كرنفال اجتماعي كبير.. وثقافة تُستخدم في «الشو» الرسمي
ما يحدث في أرض المعرض أقرب إلى «مهرجان شامل» منه إلى سوق للكتاب بالمعنى التقليدي. عشرات الندوات، حفلات توقيع، منصات لصنّاع المحتوى، عروض أطفال، أجنحة للوزارات والجهات الرسمية، حضور أمني كثيف، ومساحات مخصّصة للتصوير والسوشيال ميديا.
هذا الطابع الكرنفالي له جانب إيجابي لا يمكن إنكاره:
المعرض يعرّف أجيالًا جديدة على عالم الكتب، يوفّر مساحة لقاء بين الكاتب والقارئ، ويتيح بعض الخصومات التي تجعل اقتناء الكتاب أقل تكلفة في ظل أزمة اقتصادية خانقة.
لكنه في الوقت نفسه يتحوّل تدريجيًا إلى «مول ثقافي»، تُمزَج فيه الكتب مع الأكل السريع، والأنشطة التسويقية، وخطاب رسمي يستخدم الحشود كخلفية لصورة سياسية لامعة: «شوفوا الملايين اللي بتيجي للثقافة».
الدكتورة ليلى علام – أستاذة الأدب والنقد – تشير إلى هذه النقطة بوضوح، معتبرة أن «الاحتفال السنوي بالكتاب خطوة مهمة لكنها غير كافية»، وأن الثقافة لا تُقاس بعدد الزيارات لمعرض سنوي، بل بوجود سياسات تعليمية وثقافية تربط القراءة بالمدرسة والجامعة والعمل والحياة اليومية، من حصص قراءة حقيقية في المدارس، إلى دعم مكتبات الأحياء والقرى، وصولًا إلى ربط الكتب بالمنصات الرقمية التي باتت هي الواقع الفعلي لجيل الشباب.
السلطة من جهتها تبدو راضية بهذا الشكل الاحتفالي؛ فهو يوفّر لها أرقامًا ضخمة لترويج صورة «مصر التي تقرأ»، دون أن يفرض عليها مواجهة الأسئلة الأصعب:
- لماذا تغلق مكتبات مستقلة بسبب الركود وارتفاع الإيجارات؟
- لماذا تظل أسعار كثير من الكتب فوق قدرة قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى والفقيرة؟
- ولماذا يُترَك القارئ وحيدًا وسط طوفان من المحتوى التافه على الشاشات دون سياسة جادة تنافس على وعيه؟
من زحمة المعرض إلى معركة القراءة اليومية
السنوات الأخيرة شهدت خطوات حكومية مهمّة على الورق باتجاه «التحوّل الرقمي للقراءة»، مثل إطلاق تطبيق «كتاب – مصر الرقمية للكتب» بالتعاون بين وزارة الثقافة ووزارة الاتصالات، لتوفير آلاف الكتب إلكترونيًا مجانًا أو بتكلفة رمزية، إلى جانب مشروعات كـ«بنك المعرفة المصري» الذي يفتح للمصريين أبواب قواعد بيانات عالمية.
لكن سؤال الفاعلية يظل مطروحًا:
هذه المنصات تخاطب بالأساس من يملك إنترنت مستقرًا، وهاتفًا ذكيًا، ووعيًا مسبقًا بقيمة القراءة.
بينما قطاع واسع من المصريين يعاني أساسًا من مشاكل في مهارات القراءة والكتابة؛ فمعدلات الأمية – رغم تحسّنها – لا تزال عند حدود ٢٠٪ تقريبًا بين البالغين، وفق بيانات اليونسكو الأخيرة عن مصر.
بمعنى آخر، المعركة الحقيقية ليست في أن نضيف مليون زائر جديد للمعرض، بل في:
- أن يتحوّل «يوم المعرض» إلى بداية عِشرة طويلة مع الكتاب، لا مجرد خروجة لطيفة في آخر يناير.
- أن تخرج مبادرات القراءة من حدود العاصمة إلى النجوع والقرى الهامشية.
- أن تتراجع صورة الكتاب بوصفه «ترفًا نخبويا» لصالح اعتباره أداة للبقاء في سوق عمل يتغيّر بسرعة.
الأرقام القياسية في عدد زوار المعرض ليست بلا قيمة؛ هي تعني أن هناك شهية اجتماعية للتعرّف على الكتاب، ورغبة في كسر الملل والضيق عبر فعل ثقافي، حتى لو ظل في كثير من الأحيان سطحيًا أو موسميًا.
لكنها في الوقت نفسه تصبح مضلِّلة وخطيرة عندما تُستخدم كستار لإخفاء فشل أعمق في بناء سياسة قرائية مستدامة.
إذا لم تُترجَم هذه الملايين إلى خطط حقيقية: دعم نشر رخيص وجيّد، إنقاذ المكتبات العامة، إدماج القراءة الإبداعية في المناهج بدل الحفظ والتلقين، وربط معرض الكتاب نفسه ببرامج متابعة طوال العام؛ فسيتحوّل المعرض تدريجيًا إلى ما يشبه «مهرجان shopping في هيئة كتب»؛ نلتقط فيه صورًا جميلة وسط أكوام العناوين، ثم نعود لنفس الواقع الذي لا يقرأ ولا يحترم من يقرأ.
عندها، سيكون السؤال الأخطر:
هل نملك فعلًا «مجتمع قرّاء»، أم أننا نملك فقط «جمهور مهرجانات» يُستدعى عند اللزوم لملء الكادرات، ثم يُعاد إلى الصمت حتى موعد الدورة القادمة؟

