في مطار يُفترض أنه واجهة الدولة ومركزها الجوي الأهم، تحوّل تسريب في خط وقود فرعي إلى اختبار قاسٍ كشف كمّ الاعتماد على حلقات تشغيل حساسة، وكمّ المسافة بين “البيانات المطمئنة” وواقع مسافرين عالقين بين بوابات الانتظار ومواعيد إقلاع تتبدّل كل ساعة.
خلال الساعات الماضية، تصاعد الارتباك التشغيلي في مطار القاهرة الدولي بعد رصد تسريب في الخط الفرعي المغذي لمباني الركاب (2) و(3)، وانعكس الأمر مباشرة على انتظام الرحلات، مع تأخرات طالت وجهات إقليمية ودولية، وازدحام ملحوظ في ساحات الحركة.
وبحسب بيان رسمي صادر عن شركة ميناء القاهرة الجوي، تم رصد التسريب عبر أجهزة المراقبة بالغرفة المركزية للتحكم التابعة لشركة مصر للبترول داخل مستودع الوقود بالمطار.
الإجراء الأول كان إيقاف الخط المتضرر وتفعيل خطة طوارئ بديلة لتأمين احتياجات الطائرات من الوقود دون المساس بعوامل السلامة.
لكن “عدم توقف التشغيل” لا يعني بالضرورة عدم وقوع الضرر؛ فالطيران لا يتوقف فقط عند إغلاق الممرات، بل يتعطل أيضًا عندما تصبح أبسط خدمة—تموين الوقود—عنق زجاجة يبطئ سلسلة كاملة من عمليات الإقلاع والهبوط وإعادة الجدولة.
وقود الطائرات.. عندما يتحول التسريب إلى عنق زجاجة
جوهر الأزمة لم يكن التسريب وحده، بل ما ترتّب عليه: تعطّل خط التغذية الذي يخدم مباني ركاب مزدحمة، ما يعني أن كل رحلة متأثرة لا تُحاسَب وحدها، بل تجر خلفها سلسلة تأخيرات متعاقبة.
إدارة المطار أعلنت الدفع بـ6 وحدات صهريجية بسعة تتجاوز ربع مليون لتر، إضافة إلى 3 وحدات ترشيح، لضمان استمرار التموين أثناء أعمال الإصلاح.
على الورق تبدو خطة إنقاذ، لكن على أرض الواقع هي “حل إسعافي” يفتح الباب لتباطؤ طبيعي في تموين الطائرات مقارنة بالنظم المستقرة الأكثر سرعة.
التموين عبر مسارات بديلة يعتمد على حركة الصهاريج، وتبادل الأدوار، وإجراءات إضافية، ومساحات مناورة، وتنسيق أكبر بين فرق التشغيل والبوابات وساحات الانتظار.
ومع الرحلات الدولية الطويلة التي تحتاج كميات وقود أكبر وإجراءات تموين أكثر تعقيدًا، يصبح الوقت عنصرًا قاتلًا للجداول: دقيقة هنا تُفجر ساعة هناك.
وهذا ما أكدته مصادر ملاحية تحدثت عن تباطؤ عمليات التموين مؤقتًا، وعن تأخرات شملت عشرات الرحلات، خصوصًا في أوقات الذروة، حيث لا توجد “رفاهية الفراغ” لتعويض النقص بسرعة.
“لم تتوقف الحركة”.. تطمينات رسمية وواقع مسافرين أكثر قسوة
لغة البيانات الرسمية في الأزمات غالبًا ما تفضّل الطمأنة على التشخيص.
شركة ميناء القاهرة الجوي قالت إن التشغيل “لم يتوقف”، وإن أي تأخير نتج عن “ظروف استثنائية خارجة عن الإرادة”، مع التشديد على الالتزام بمعايير السلامة وعدم تشغيل أي خط قبل إصلاحه بالكامل.
لا خلاف على أولوية السلامة، لكن السؤال الجوهري الذي لا تُجيب عنه البيانات عادة: لماذا يُترك مرفق حيوي بهذه الحساسية عرضة لأن يعطّل المطار بهذه السهولة؟ وكيف تكون الخطة الاحترازية في مطار بحجم القاهرة قادرة على “احتواء التأخير” لا على “منعه” أصلًا؟
شهادات مسافرين تحدّثت عن تأخيرات تراوحت بين ساعة إلى عدة ساعات، ورحلات إلى أوروبا والخليج وإفريقيا تأثرت، مع ازدحام في ساحات الانتظار وتكدّس للطائرات على الممرات ومحاولات متواصلة لإعادة جدولة مواعيد الإقلاع.
وفي مثل هذه الحالات، لا تكون المشكلة في التأخير وحده، بل في إدارة المعلومة: لوحات تتبدّل، نداءات متكررة، صالات مكتظة، ومسافرون يحاولون فهم ما يحدث دون سرد واضح وشفاف يشرح “لماذا” و“إلى متى” و“ما الخيارات”.
الأزمة التشغيلية تُقاس بمدى السيطرة على التفاصيل الصغيرة بقدر ما تُقاس بحجم العطل نفسه.
الأكثر إزعاجًا أن الواقعة تبدو كأنها تُختصر في “تسريب وتم إصلاحه”، بينما تداعياتها تكشف احتياجًا أكبر لمفهوم المرونة التشغيلية: وجود بدائل جاهزة لا تكتفي بتسيير الحد الأدنى من العمليات، بل تحافظ على إيقاع المطار دون أن تتحول الصهاريج إلى طوابير إضافية داخل منظومة هي أصلًا تحت ضغط متزايد.
ما بعد الإصلاح.. أسئلة عن الجاهزية والشفافية قبل تكرار السيناريو
الجهات المعنية أعلنت لاحقًا استمرار أعمال الإصلاح وإعادة الخط الفرعي إلى الخدمة تدريجيًا، مع متابعة دقيقة لحركة التشغيل لاحتواء آثار الأزمة ومنع تكرارها.
لكن “العودة التدريجية” ليست نهاية القصة، بل بدايتها: لأن العطل كشف حساسية منظومة التشغيل داخل أكبر مطارات مصر، وأن خللًا فنيًا محدودًا في مرفق واحد قادر على تمديد أثره سريعًا إلى حركة الطيران كاملة، خصوصًا في أوقات الذروة.
منع التكرار لا يتحقق فقط بجهاز تكنولوجي “يحدد موقع التسريب بدقة”، بل بمنظومة تضع احتمالات الفشل ضمن تصميم التشغيل اليومي.
المطلوب ليس بديلاً مؤقتًا يُبطئ التموين، بل بنية احتياطية حقيقية تضمن تعدد مسارات التغذية، ورفع القدرة الاستيعابية للبدائل بحيث لا تتحول إلى سبب تأخير بحد ذاته، ووجود بروتوكولات اتصال واضحة للمسافرين وشركات الطيران تُدار بالدقيقة لا بالشعارات.
والأهم: شفافية ما بعد الأزمة. ما الذي حدث تحديدًا؟ ما سبب التسريب؟ ما عمر الخط المتضرر؟ وما إجراءات الصيانة الوقائية السابقة؟ وما الذي سيتغير فعليًا في منظومة الوقود حتى لا يتكرر مشهد “عطل فرعي” يربك مطارًا كاملًا؟ لأن الاكتفاء بتوصيف ما حدث كـ“ظرف استثنائي” يظل مقنعًا مرة، لكنه يصبح ذريعة إذا تكرر السيناريو.
مطار القاهرة لا يحتاج فقط إلى إصلاح خط وقود، بل إلى إصلاح فلسفة إدارة المخاطر: الانتقال من منطق “الاحتواء عند وقوع الأزمة” إلى منطق “منع الأزمة من أن تُدار على أعصاب المسافرين” منذ اللحظة الأولى.

