من مجرد سؤال بسيط طرحه أحد المستخدمين على «إكس»: «ايه سر الدفاع المستميت من مسؤولى و اعلامى الدولة عن جهاز مستقبل مصر فى موضوع استيراد القمح !!!»

 

 

تحوّل ملف «جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة» إلى واحدة من أكثر المعارك سخونة على السوشيال ميديا والإعلام المصري خلال الأيام الأخيرة.

فبمجرد أن كشف النائب أحمد فرغلي في طلب إحاطة عن استيراد القمح عبر الجهاز بسعر أعلى من السعر العالمي بنحو 30 دولارًا للطن، خرجت ترسانة كاملة من الوزراء والإعلاميين للدفاع عن الجهاز، باعتباره «منقذ الأمن الغذائي» و«سلاح الدولة في مواجهة التجار»، في حين يرى منتقدون أن كل هذا الضجيج هدفه حماية ريع عسكري جديد، وليس الدفاع عن «الغلابة».

 

من طلب إحاطة إلى «قضية قومية»: كيف اشتعلت الحكاية؟

 

القصة بدأت علنًا مع طلب الإحاطة الذي تقدّم به النائب أحمد فرغلي، موضحًا أن مصر تستورد نحو 5 ملايين طن قمح سنويًا، بينما يبلغ السعر العالمي حوالي 240 دولارًا للطن، في حين يتم الشراء لصالح هيئة السلع التموينية عبر جهاز «مستقبل مصر» بسعر يقترب من 270 دولارًا للطن، أي بزيادة 30 دولارًا للطن تُقدَّر بنحو 150 مليون دولار سنويًا.

 

هذه الزيادة ليست مجرد رقم؛ تقارير صحفية وحقوقية تحدّثت عن أن الجهاز – التابع للقوات الجوية – يحصل على عمولة ثابتة تُقدَّر بـ30 دولارًا عن كل طن قمح مستورد، بعد أن أُسند إليه ملف استيراد القمح والسلع الغذائية الاستراتيجية بدلًا من هيئة السلع التموينية.

 

الإعلامي عمرو أديب دخل على الخط من برنامجه «الحكاية»، قائلاً:

«فيه طلب إحاطة إن فيه جهة في مصر بتستورد القمح والزيت بسعر أغلى من ثمنه العالمي حوالي ٣٠ دولار في الطن..»

 

 

الإشارة كانت واضحة إلى «مستقبل مصر»، الذي أصبح منذ ديسمبر الماضي المشتري الحكومي الرسمي للحبوب، بعد نقل مسؤولية استيراد القمح إليه من هيئة السلع التموينية، في خطوة قالت «رويترز» إنها أدت إلى تغييرات كبيرة في السوق وارتفاع الأسعار المحلية بنحو 10% وانخفاض المخزون، وسط تحفظ بعض الموردين العالميين على التعامل مع كيان جديد مرتبط بالمؤسسة العسكرية.

 

ماكينة التبرير: «جهاز وطني» يمنع التجار ويضبط الأسعار!

 

ما إن انتشر الحديث عن فروق الأسعار والعمولات حتى تحرّكت ماكينة الإعلام الرسمي والموالي للنظام في اتجاه واحد: الدفاع الهجومي عن «مستقبل مصر».

 

الإعلامي أحمد موسى قدّم نموذجًا صارخًا لهذا الدفاع، حين خصص فقرات كاملة للدفاع عن الجهاز، مهاجمًا النائب مقدَّم طلب الإحاطة، ومتهِمًا إيّاه بـ«عدم امتلاك معلومات»:

 

...

 

في رواية موسى، الجهاز ليس وسيطًا يأخذ عمولة، بل «درع» يحمي رغيف المواطن، ويكسر احتكار التجار، ويشتري القمح والزيت لصالح الدولة بأفضل الأسعار، رغم أن نفس المنظومة كانت تعتمد لعقود على هيئة مدنية (هيئة السلع التموينية) لتأدية هذه المهمة.

 

النائب والإعلامي مصطفى بكري بدوره انتقل بالدفاع من القمح إلى الدواجن، ليقدّم الجهاز كـ«منقذ» لسوق البروتين:

«جهاز مستقبل مصر يلعب دور محوري في ضبط أسعار الدواجن ويتدخل بعد حدوث أي ارتفاع غير مبرر في الأسعار…»

 

 

 

ثم جاء تصريح وزير التموين نفسه ليمنح الدفاع «غطاءً رسميًا» أوضح، عندما قال:

«#وزير_التموين: جهاز مستقبل مصر جزء من منظومة الأمن الغذائي»

 

 

في الخلفية، تتزامن هذه التصريحات مع حملة صحفية في صحف وقنوات رسمية تؤكد أن تكليف «مستقبل مصر» بملف القمح حقق «وفرًا بمليارات الدولارات»، وأن الجهاز أعاد هيكلة منظومة الاستيراد وقلّل من التكاليف و«حسّن شروط التعاقد» مع الموردين.

 

الإعلامي أسامة جاويش قرأ المشهد بشكل معاكس تمامًا، معتبرًا أن الجهاز «يتجاوز كل الخطوط الحمراء» وأن دخول عمرو أديب على الخط يعكس حجم الحساسية حول هذا الملف:

«جهاز "مستقبل مصر" التابع للجيش يتجاوز كل الخطوط الحمراء.. وعمرو أديب يدخل على الخط!»

 

 

 

السوشيال في الضفة الأخرى: دفاع «عبيط» أم حماية ريع عسكري؟

 

على الضفة المقابلة، لم يمر هذا الدفاع المستميت دون رد فعل غاضب وساخر على السوشيال ميديا.

 

حساب «ياسر كفافي» لخص موقف شريحة واسعة من المنتقدين:

«ليس هجوما على مستقبل مصر ولكن الدفاع العبيط والهبد والنفاق بيقلب بغم ، الوزير اللي بيمدح في سحب اختصاصات وزارته وبيقول ان ده احلا واكسب ما حدث ، مش الاولى بيه يحاسب على ما سبق ؟؟؟ اعتدلوا اقالكم الله»

 

 

 

أما «بهاء» فذهب مباشرة إلى الإعلاميين الموالين، مهاجمًا ما وصفه بـ«إعلام الحضيض» وتقلب مواقف عمرو أديب:

«اعلام الحضيض عمرو اديب بيقطع ف جهاز مستقبل مصر … يوم الجمعه يطلع احما جاموسه يدافع عنهم ناو… الشعب بيكح تراب وبيموت بالبطئ»

 

 

في قلب هذه الانتقادات يكمن سؤال بسيط: إذا كان الجهاز «يوفر مليارات» فعلًا، فلماذا لا تعلن الحكومة بشفافية تفاصيل التعاقدات، وأسعار الشراء مقارنة بالسعر العالمي، وحجم العمولة إن وُجدت، بدلاً من تحويل أي سؤال رقابي إلى «هجوم على مؤسسة وطنية»؟

 

تقارير صحفية مستقلة تتحدّث صراحة عن أن «مستقبل مصر» يحصل على عمولة ثابتة 30 دولارًا عن كل طن قمح وزيت وسكر يتم استيراده لصالح الدولة، وأن هذه العمولات تلتهم جزءًا مهمًا من مخصصات دعم الغذاء للفقراء، في وقت تعاني فيه الأسر من موجات تضخم غذائي خانقة.

 

اللافت أن «رويترز» نقلت عن متعاملين في سوق القمح أن دخول «مستقبل مصر» كمشتري رسمي جديد، دون خبرة سابقة في هذا الملف، أدى إلى ارتباك في السوق وارتفاع في الأسعار المحلية وانخفاض في المخزون، قبل أن يبدأ الجهاز تدريجيًا في بناء علاقات مباشرة مع الموردين الدوليين.

 

كل ذلك يفسر – في نظر منتقدين – سبب العصبية الواضحة في خطاب المسؤولين والإعلاميين: نحن لا نتحدث عن «جهاز فني» عادي، بل عن كيان عسكري – اقتصادي توسّع مؤخرًا ليحتكر عمليًا استيراد القمح والزيوت وربما السكر، في بلد يعيش أكثر من ثلثي سكانه على رغيف مدعم وزيت وسكر مدعومين.

أي مساس به يعني فتح ملف «اقتصاد الجيش» نفسه، وهو خط أحمر لا يسمح النظام بتجاوزه، لذا يُستدعى أحمد موسى ومصطفى بكري والوزير نفسه للدفاع عنه في نفس التوقيت وبنفس اللغة تقريبًا.

 

ما وراء السردية الرسمية: أمن غذائي أم أمن ريع؟

 

بعيدًا عن ضجيج البرامج، يمكن تلخيص ما يجري في سؤال جوهري: هل الهدف الحقيقي من تكليف «مستقبل مصر» هو تعزيز الأمن الغذائي، أم تأمين ريع جديد لمؤسسة عسكرية تمددت في كل القطاعات؟

 

الوقائع تقول إن الجهاز:

 

  • حل محل هيئة مدنية كانت تخضع – ولو شكليًا – لرقابة برلمانية ورقابية.
  • يحصل وفق اتهامات موثقة على عمولات بالدولار عن كل طن مستورد، في وقت تُرفع فيه أسعار الخبز المدعم ويُشدَّد الدعم على الفقراء.
  • توسّع مؤخرًا ليحتكر أيضًا استيراد وتصدير السكر الأبيض، في خطوة حذرت تقارير اقتصادية من أنها تفتح بابًا إضافيًا لهيمنة الجهاز على سلاسل الغذاء الأساسية.

 

في المقابل، الرد الرسمي يعتمد على عبارات عامة عن «الوفورات» و«إدارة المخاطر» و«منع التجار من التحكم في قوت المصريين»، دون أي أرقام تفصيلية منشورة للرأي العام. وحين يحاول نائب برلماني ممارسة دوره الرقابي، يتم الهجوم عليه في الشاشات قبل أن ترد الحكومة في قاعة البرلمان.

 

لهذا يبدو «سر الدفاع المستميت» أقل غموضًا مما يبدو: المسألة ليست القمح فقط، بل من يسيطر على مليارات الدولارات التي تُنفق سنويًا لاستيراده، ومن يملك حق فتح التعاقدات وتسعير العمولات بعيدًا عن أي شفافية أو منافسة حقيقية.

 

إلى أن تُنشر أرقام واضحة، سيظل السؤال الذي فتحه هذا الجدل قائمًا: من يحمي قوت المصريين فعلًا… جهاز عسكري فوق الرقابة، أم نظام استيراد شفاف يخضع لعيون البرلمان والرأي العام، لا لبيانات جاهزة وتقريرات ليلية على شاشات الدولة؟