نشرت الوقائع المصرية، ملحق الجريدة الرسمية، الأحد ٨ فبراير ٢٠٢٦ قرارًا لوزير الداخلية محمود توفيق بإنشاء ما سُمّي “مركز الإصلاح الجغرافي” داخل مركز شرطة الرياض بمديرية أمن كفر الشيخ.
الظاهر في الورق أنه إجراء تنظيمي لتنفيذ أحكام حبس قصيرة وتنفيذ الإكراه البدني في أحكام مالية، لكن جوهر الحكاية أعمق: نحن أمام توسّع جديد لفكرة “السجن الملحق بقسم الشرطة” تحت عنوان تجميلي اسمه “إصلاح”.
وتحت غطاء مسميات حديثة وإحالات قانونية، تستمر الدولة في تعميم أدوات الحبس وتطبيع وجود السجون الصغيرة داخل النطاقات الشرطية، كأن المشكلة في مصر ليست الإفراط في العقاب والاحتجاز، بل نقص الأماكن التي تُنفّذ فيها العقوبة.
مركز “الإصلاح الجغرافي” في الرياض: ماذا يقول القرار فعليًا ولماذا هو خطير سياسيًا واجتماعيًا؟
القرار المنشور يتضمن إنشاء “مركز إصلاح جغرافي” مقره مركز شرطة الرياض، على أن تُنفّذ فيه أحكام الحبس التي لا تزيد عن ثلاثة أشهر، إضافة إلى تنفيذ العقوبات على من يقع عليهم الإكراه البدني تنفيذًا لأحكام مالية، مع الإشارة إلى الأساس القانوني المرتبط بقانون تنظيم مراكز الإصلاح والتأهيل المجتمعي وقانون هيئة الشرطة، وذكر أن القرار نُشر ويُعمل به من اليوم التالي لنشره.
هذا هو النص البارد الذي يبدو إجرائيًا، لكنه على الأرض يعني شيئًا آخر: تحويل قسم شرطة إلى نقطة تنفيذ عقوبة سالبة للحرية بشكل دائم، أي أن “القسم” لا يعود مجرد جهة ضبط وتحريات واستقبال بلاغات، بل يصبح جزءًا من شبكة السجون اليومية.
الخطورة لا تأتي فقط من “إنشاء مكان جديد للحبس”، بل من الرسالة التي يرسلها القرار: بدلًا من علاج الأسباب التي تدفع الناس للاصطدام بالقانون أو العجز عن الوفاء بأحكام مالية، وبدلًا من إصلاح منظومة العدالة والاقتصاد التي تُنتج التعثر والفقر، يصبح الحل هو زيادة القدرة الاستيعابية للحبس تحت لافتة “إصلاح”.
المواطن هنا لا يقرأ القرار كتنظيم إداري؛ يقرأه كحلقة إضافية في سلسلة توسيع الذراع العقابية للدولة، وتثبيت فكرة أن الرد السهل على الأزمات هو مزيد من الاحتجاز، لا مزيد من الإصلاح الحقيقي.
ثم إن تنفيذ “الإكراه البدني” في أحكام مالية يفتح سؤالًا اجتماعيًا صادمًا: إذا كان الهدف المُعلن هو “الإصلاح والتأهيل”، فكيف يستقيم ذلك مع تحويل العجز المالي إلى مدخل للحبس؟
حتى عندما يكون الأمر منصوصًا عليه قانونًا، تظل الفكرة في جوهرها عقابية على الفقر والتعثر، وتؤكد أن الدولة تتعامل مع الأزمات المالية للأفراد بعقلية الردع لا بعقلية المعالجة.
وما يزيد الانزعاج أن القرار يستند أيضًا إلى “خطط الموارد البشرية” ومذكرة تنظيمية بتاريخ ٣١ ديسمبر ٢٠٢٥؛ أي أن الأمر ليس استجابة ظرفية لحالة طارئة، بل خطوة مخططة ضمن هندسة توسعية لمنظومة الحبس.
من “السجون” إلى “مراكز إصلاح”: تغيير المسميات منذ ٢٠٢٢… هل تغيّرت الحقيقة؟
في مارس ٢٠٢٢ جرى تعديل قانون تنظيم السجون بما يغيّر المسميات إلى “مراكز الإصلاح والتأهيل المجتمعي”، وبما يتحدث عن أهداف مثل الرعاية والتأهيل وإتاحة التعلم والاستذكار، ويقسم الأماكن إلى عمومية وجغرافية وخاصة. وبحسب هذا الإطار، فإن “المراكز الجغرافية” مخصصة للمحبوسين في الجنح وتكون ملحقة بأقسام الشرطة. هذا هو جوهر الفكرة التي نراها اليوم تتسع أكثر: سجنٌ داخل قسم شرطة لكن باسم جديد.
المشكلة أن تبديل الاسم لا يساوي تغيير الواقع. حين تتحدث النصوص عن إصلاح وتعليم وإدماج، بينما تُنشأ مراكز حبس صغيرة ملحقة بأقسام الشرطة، فإن الفجوة بين الشعار والممارسة تصبح فاضحة. الإصلاح لا يتحقق بقرار نشرٍ في الوقائع المصرية، بل بسياسات علنية قابلة للمحاسبة: معايير احتجاز، ضمانات قانونية، رقابة مستقلة، شفافية حول الأعداد، وإتاحة حق الدفاع والزيارة والرعاية الصحية. أما حين يكون الاتجاه الغالب هو “إنشاء المزيد”، فإن الرسالة العملية هي أن الدولة تستثمر في البنية العقابية أكثر مما تستثمر في البنية الحقوقية.
والأدلة على أن المسار “تراكمي” لا “استثنائي” واضحة في تسلسل القرارات: في فبراير ٢٠٢٤ صدر قرار بإنشاء ٥ مراكز إصلاح جغرافية داخل أقسام شرطة في المنوفية والمنيا مع إلغاء مراكز أخرى في محافظات مختلفة، ثم استمرت قرارات أخرى خلال ٢٠٢٤ بإنشاء مراكز مماثلة. معنى ذلك أن توسّع “السجون الجغرافية” ليس حدثًا منفصلًا في كفر الشيخ، بل حلقة ضمن سياسة ممتدة لتعميم نموذج السجن الملحق بالقسم.
توسّع السجون الجغرافية: دولة تُدير المجتمع بعقلية الاحتجاز… وتطلب منك تصديق كلمة “إصلاح”
حين تُبنى السياسة العامة على تكثير أماكن الحبس، يصبح السؤال المنطقي: أين الإصلاح؟ هل الإصلاح هو أن يتحول كل نطاق شرطي إلى مساحة قابلة للحبس والتنفيذ؟ وهل المطلوب من الناس أن تصفق فقط لأن الاسم تغيّر؟ هذه المراكز تُقدَّم بوصفها جزءًا من “تطوير المؤسسات العقابية”، لكن منظمات حقوقية تحدثت عن أن “السجون الجديدة” أو “المجمعات الجديدة” لا تعني بالضرورة تحسنًا تلقائيًا في أوضاع الاحتجاز، وأن تقييم الواقع يعتمد على الممارسات الفعلية داخل أماكن الاحتجاز، لا على الدعاية المصاحبة لتغيير الشكل أو الاسم.
وفي قلب هذه القضية توجد مشكلة سياسية أكبر: غياب النقاش المجتمعي الحقيقي حول جدوى هذا التوسع ومعاييره. القرارات تصدر من الوزير تباعًا، وتُنشر في الوقائع المصرية، ثم تُقدَّم للرأي العام كأنها إنجاز إداري. لكن أين بيانات الطاقة الاستيعابية؟ أين أرقام من سيُحبسون وأين ولمدة كم؟ أين آليات الرقابة المستقلة على مراكز ملحقة بأقسام شرطة أصلًا؟ وأين ضمانات عدم تحول “حبس ثلاثة شهور” إلى دوامة اجتماعية تسحق الأسر الفقيرة، خصوصًا في قضايا الإكراه البدني المرتبطة بأحكام مالية؟
الأكثر قسوة أن هذا القرار يأتي في لحظة يعرف فيها المواطن معنى “الضغط” جيدًا: أسعار مرتفعة، خدمات مكلفة، وشعور عام بأن الدولة تتعامل مع أزمات الناس بمنطق “القوة” لا بمنطق “السياسة العامة”. في هذا المناخ، أي قرار يوسع منظومة الحبس داخل الأقسام يُقرأ كجزء من عقلية إدارة المجتمع بالردع.
وإذا كانت السلطة تريد إقناع الناس بأن ما تفعله “إصلاح”، فالإصلاح يبدأ من شيء أبسط من افتتاح مركز حبس جديد: يبدأ من الشفافية والمحاسبة، من تخفيف أسباب الجريمة والتعثر، ومن جعل العدالة أقل اعتمادًا على العقوبة كحل وحيد. أما أن تستمر ماكينة القرارات في إنتاج “مراكز إصلاح” جديدة ملحقة بأقسام الشرطة، فهذه ليست قصة إصلاح؛ هذه قصة توسّع سجون… مع تغيير اللافتة فقط.

