تعيش عدة محافظات حالة من القلق المتصاعد مع اتساع رقعة انتشار الكلاب الضالة وتكرار حوادث العقر، في أزمة باتت تتجاوز حدود الإزعاج اليومي لتتحول إلى تهديد مباشر للصحة العامة والسلامة المجتمعية.

 

وبين مطالب الأهالي بحلول عاجلة تحمي الأطفال وكبار السن، ومساعٍ رسمية لاحتواء الظاهرة بطرق علمية وإنسانية، تتعقد المشهد نتيجة تضارب الرؤى بين الجهات التنفيذية وجمعيات الرفق بالحيوان، ما أدى إلى تعطّل بعض المشروعات المقترحة للحد من تفاقم الأزمة.

 

وتشير الوقائع المتكررة في القرى والمدن إلى تنامي أعداد الكلاب الضالة خلال السنوات الأخيرة، ما انعكس في ارتفاع ملحوظ لحوادث العقر، خاصة بين الأطفال، إلى جانب مخاوف طبية متزايدة من انتشار مرض السعار، الذي يُعد من أخطر الأمراض الفيروسية القاتلة حال ظهور أعراضه.

 

ومع استمرار الظاهرة دون حلول شاملة، يحذر خبراء من تداعيات صحية واقتصادية واجتماعية قد تتفاقم في حال غياب خطة واضحة للتعامل مع الأزمة.

 

مخاوف صحية وأعباء متزايدة

 

في محافظة الفيوم، باتت الكلاب الضالة مصدر قلق يومي للأهالي بعد تكرار حوادث العقر في عدد من المدن والقرى. ويؤكد متخصصون أن زيادة أعداد الكلاب دون تنظيم أو برامج تعقيم وتحصين فعالة قد تؤدي إلى نتائج خطيرة على الصحة العامة، في ظل كون الكلاب من أبرز ناقلات داء السعار، فضلًا عن إمكانية نقل طفيليات وبكتيريا وأمراض جلدية.

 

ويحذر أطباء بيطريون من أن تزايد الإصابات بالعقر يعني استهلاكًا متزايدًا للأمصال بالمستشفيات، ما قد يضغط على الموارد الصحية، خاصة في المناطق ذات الإمكانات المحدودة.

 

كما يشير الأهالي إلى أن انتشار الكلاب في شكل قطعان أدى إلى تقييد حركة الأطفال وكبار السن، وخلق حالة من الحذر الدائم لدى السكان، فضلًا عن تأثيرات بيئية مرتبطة بالقمامة وتكاثر الحشرات.

 

الدقهلية: مشروع مؤجل وصدام في الرؤى

 

في محافظة الدقهلية، برزت الأزمة بوضوح مع تسجيل حالات عقر متكررة بين الأطفال، ما دفع المواطنين للمطالبة بإجراءات عاجلة. وطرحت المحافظة مشروعًا لتجميع الكلاب الضالة في موقع مخصص بمدينة جمصة تمهيدًا لتعميم التجربة، إلا أن المشروع واجه اعتراضات من بعض جمعيات الرفق بالحيوان التي رأت فيه تقييدًا لحركة الكلاب، ما أدى إلى تأجيل التنفيذ والاكتفاء بحملات تطعيم وتعقيم وإعادة إطلاق الكلاب.

 

ورغم إنشاء مركز لإيواء الكلاب الحرة في جمصة وفق اشتراطات بيطرية وصحية، بهدف تقديم الرعاية والتطعيم والحد من المخاطر، فإن استمرار الجدل حول آليات التطبيق أدى إلى تباطؤ تنفيذ الخطة بالشكل المأمول.

 

ويؤكد مسؤولون بقطاع الطب البيطري أن عمليات التعقيم والتحصين تمثل حلًا تدريجيًا للحد من تكاثر الكلاب وتقليل المخاطر الصحية، مشددين على أهمية رفع القمامة والتوعية المجتمعية باعتبارهما عاملين رئيسيين في تقليل تجمع الكلاب.

 

الإسكندرية: قلق في الأحياء المكتظة

 

في الإسكندرية، اتسعت شكاوي السكان من انتشار الكلاب الضالة في عدة أحياء، بينها العامرية والعجمي والرمل والمنتزه، مع تكرار حوادث الهجوم والعقر.

 

ويؤكد مواطنون أن الظاهرة لم تعد مجرد مشهد مألوف، بل تحولت إلى مصدر دائم للخوف، خاصة في محيط المدارس والمناطق السكنية المكتظة.

 

وسجلت المدينة حوادث إصابة جماعية في فترات سابقة، ما دفع الجهات المحلية لاتخاذ إجراءات محدودة، من بينها تنظيم بعض الأنشطة المرتبطة باصطحاب الحيوانات في المواصلات العامة.

 

إلا أن الأهالي يرون أن هذه الخطوات لا تزال غير كافية، مطالبين بخطة شاملة تراعي سلامة المواطنين والرفق بالحيوان في آن واحد.

 

ويروي سكان في أحياء مختلفة وقائع هجوم على أطفال وكبار سن، إلى جانب انتشار الكلاب قرب المؤسسات الحكومية والطرق الرئيسية، ما يثير مخاوف من وقوع إصابات مفاجئة أو حوادث مرورية.

 

كما يشير بعض الأهالي إلى صعوبة الحصول على الأمصال في أوقات معينة، ما يزيد من حدة القلق لدى الأسر.

 

بين الحلول الإنسانية ومطالب الحسم

 

تجمع آراء الخبراء على أن معالجة أزمة الكلاب الضالة تتطلب استراتيجية متكاملة تشمل التعقيم والتطعيم، وإنشاء مراكز إيواء، وتحسين منظومة النظافة ورفع القمامة، إلى جانب التوعية المجتمعية بعدم إطعام الكلاب في المناطق السكنية بشكل عشوائي.

 

كما يؤكدون ضرورة التنسيق بين الجهات التنفيذية وجمعيات الرفق بالحيوان للوصول إلى حلول متوازنة تحمي الإنسان والحيوان معًا.

 

ومع استمرار حوادث العقر وتزايد شكاوى المواطنين، تبدو الحاجة ملحّة لتبني خطة واضحة ومستدامة على مستوى المحافظات، تضع سلامة المواطنين في مقدمة الأولويات، وتضمن في الوقت ذاته تطبيق معايير إنسانية وبيئية في التعامل مع الظاهرة، قبل أن تتحول الأزمة إلى تهديد أوسع يطال الصحة العامة والأمن المجتمعي.