عاد الجدل حول منع تداول وبيع الدواجن الحية لأن السوق يتحرك بلا “مكابح”: يوم يرتفع السعر مع نقص المعروض، ويوم يهبط مع فائض مفاجئ، بينما الحلقة الأضعف—المربي الصغير والمستهلك محدود الدخل—يدفعان الفاتورة بالتناوب.
الدكتور ثروت الزيني، نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن، يربط هذا التذبذب مباشرة بنمط الشراء الحي الذي “لا يُخزَّن”، ويقول إن الاعتماد عليه يجعل الأسعار شديدة الحساسية للعرض والطلب يومًا بيوم، وأن زيادة الإنتاج مقارنة بالعام الماضي مع ذروة رمضان تُضاعف الضغط على السوق ودورات المربين.
القانون رقم 70 لسنة 2009: نص يجرّم “التداول” ويُفوّض التنفيذ للوزير
القانون ليس “توصية” ولا إطارًا عامًا. هو نص واضح يُقصر الاتجار في الطيور والدواجن الحية—التي يحددها وزير الزراعة—على ما يُصرح بذبحه قانونًا، ويشترط أن يتم الاتجار أو الذبح وفق إجراءات وفي أماكن ومجازر يحددها الوزير. النص يضيف حظرًا على البيع أو العرض للبيع أو التداول أو النقل في المناطق التي يصدر بتحديدها قرار وزاري.
وعند المخالفة، العقوبة ليست رمزية: حبس وغرامة، مع مصادرة الطيور والدواجن محل المخالفة، وغلق المكان لمدة ثلاثة أشهر، وتُضاعف العقوبة في حالة العود.
الملاحظة الأهم هنا: النص يتعامل مع “الاتجار/البيع/العرض للبيع/النقل”، ولا يذكر صراحة “التربية المنزلية للاستهلاك الذاتي”. هذا يفتح مساحة رمادية: الأسر التي تربي للاستهلاك قد لا تُستهدف نظريًا، لكنها قد تقع عمليًا تحت طائلة التنفيذ إذا تحولت التربية إلى بيع هامشي أو نقل للطيور عبر نطاقات محظورة، أو إذا جاءت القرارات التنفيذية فضفاضة.
“التخزين” كحجة اقتصادية: من يستفيد ومن يدفع تكلفة التحول؟
أنصار الحظر يقدمون حجة واحدة متكررة: تحويل سلعة “حية” لا تُخزن إلى منتج مبرد/مجمد يمكن تخزينه، وبالتالي تهدئة القفزات السعرية. سـامح السيد، رئيس شعبة الدواجن بالغرفة التجارية بالجيزة، يذهب أبعد من ذلك ويقول إن التطبيق سيحوّل السوق إلى معروض يمكن تخزينه “لمدة تصل إلى عام”، بما يقلل الاندفاع السعري ويخلق فرصًا استثمارية في التبريد والتوزيع.
لكن هذه الحجة تترك سؤال التكلفة بلا إجابة عملية: من سيموّل الثلاجات وسلاسل التبريد؟ ومن سيتحمل فاقد النقل والتجميد، وتكلفة الطاقة، والاشتراطات الصحية؟ المقترحات تتحدث عن “تحويل المحال” إلى منافذ مبردة/مجمدة، وحتى بروتوكولات تمويل لتوفير ثلاجات لبعض التجار، لكن الانتقال نفسه يعني إعادة توزيع للأرباح داخل السلسلة: مكسب أكبر لمن يملك مجزرًا وخط تبريد وتوزيع، وضغط أكبر على المحال الصغيرة التي كانت تعيش على الذبح الفوري وحركة البيع اليومية.
الأخطر أن أي تطبيق “مفاجئ” قد يخلق سوقين في وقت واحد: سوق رسمي مبرد بأسعار وتكاليف جديدة، وسوق غير رسمي حي يعمل في الظل لتلبية ثقافة “الذبح أمام العين”. عندها لا يتحقق هدف الاستقرار، بل تتسع فجوة الرقابة ويتضاعف التلاعب.
الصحة العامة والبنية التحتية: التطبيق “الشكلي” أسوأ من عدم التطبيق
على الجانب الصحي، يركز الدكتور مجدي القاضي (أستاذ أمراض الدواجن وعميد طب بيطري بني سويف الأسبق ورئيس الجمعية البيطرية المصرية للدواجن) على نقطة مباشرة: التداول الحي والذبح العشوائي يرفعان مخاطر انتقال الأمراض، ويضعفان الرقابة، بينما يفرض القانون الذبح داخل مجازر مرخصة ومعتمدة، مع الحاجة لتوعية المستهلك وتوسيع عدد المجازر في المحافظات التي تعاني نقصًا.
هذا الطرح يضع الدولة أمام اختبار جاهزية لا اختبار “إرادة”: لا يكفي إعلان الحظر؛ يجب توفير مجازر قريبة، ونقل مبرد، ورقابة بيطرية فعالة، وإلا انتقل الذبح العشوائي من الشارع إلى أماكن مغلقة بلا رقابة.
هنا يأتي تحذير من داخل السوق نفسه. عبد العزيز السيد، رئيس شعبة الدواجن بغرفة القاهرة التجارية، يقول إن منع تداول الدواجن الحية “خطوة ضرورية” لتحسين المنظومة وسلامة الغذاء، لكنه يشدد على التنفيذ التدريجي لأن المجازر—حتى إن وُجدت—غير موزعة بعدالة جغرافيًا، ما يجعل محافظات منتجة تواجه صعوبات إذا طُبق القرار دون جاهزية وتنسيق بين الزراعة والتموين والتنمية المحلية والداخلية والمحليات.
وبخصوص “التربية المنزلية”، نقطة الحسم ليست في النوايا بل في القرارات التنفيذية: إذا أرادت الدولة تجنب صدام اجتماعي، فهي مطالَبة بنصوص واضحة تفرق بين الاستهلاك الذاتي والتداول التجاري، وبآليات رقابة لا تجرّ الأسر الريفية إلى مسار مخالفات بسبب بيع محدود أو نقل بسيط. وفي المقابل، إن تُركت الحدود غامضة، سيصبح القانون أداة ضغط متقطعة تُفعَّل وقت الأزمات وتُجمَّد بعدها، وهو ما يكرر الفوضى بدل أن ينهيها.
الخلاصة العملية: القانون موجود بعقوباته، والجدل يتكرر لأن السوق بلا بنية انتقال. المطلوب ليس “تفعيلًا” بالمعنى الأمني، بل برنامج تحويل كامل: مجازر موزعة، تبريد ممول، تحول تدريجي للمحال، وتعريفات دقيقة للتداول التجاري مقابل التربية المنزلية. دون ذلك، سيبقى الحظر عنوانًا جذابًا… ونتيجة مربكة على الأرض.

