أعاد مقطع فيديو متداول، يُظهر سقوط طالب داخل فتحة صرف صحي غير مغطاة في أحد شوارع مدينة مغاغة بمحافظة المنيا، فتح ملفٍ قديم يتجدد: “البالوعات المكشوفة” بوصفها خطرًا يوميًا على المارة، لا سيما الأطفال. الواقعة انتهت بالنجاة هذه المرة بتدخل زملاء ومارة، لكنها تطرح سؤالًا مباشرًا عن مسؤولية الجهات التنفيذية وشركات المرافق عن إجراءات المنع، لا الاكتفاء بردّ الفعل بعد انتشار الفيديو.

 

 

الواقعة: نجاة بالصدفة… وثغرة بلا إجابة

 

بحسب الفيديو المتداول، كان الطالب يسير مع زملائه قبل أن يهبط فجأة داخل فتحة صرف مكشوفة في منتصف الشارع. هذا النوع من الحوادث لا يحتاج “ظروفًا استثنائية” ليتكرر؛ يكفي غطاء مفقود، وإنارة ضعيفة، وشارع مزدحم.

 

التحركات الرسمية غالبًا ما تبدأ بعد الضجة. وفي وقائع مشابهة، تُحال الأمور للتحقيق، وتُفحص كاميرات المراقبة، ويُسأل الشهود عن “هل كانت البالوعة مغطاة؟” كما حدث في تحقيقات وفاة طفل سقط في بالوعة غير مغطاة بمدينة 6 أكتوبر في يناير 2026.

 

في المقابل، خبراء بقطاع المياه يربطون المشكلة بأسباب تتكرر: سرقة الأغطية وضعف الردع وسوء المتابعة الميدانية. المهندس علي الشرقاوي (رئيس شركة مياه الشرب والصرف الصحي بأسيوط والوادي الجديد) وصف سرقة أغطية البالوعات بأنها “إعداد فخ للسقوط المميت” يهدد الآلاف، مطالبًا بتعاون المجتمع والإبلاغ الفوري عبر الخط الساخن.

 

لماذا تتحول البالوعات إلى “مصائد”؟ سرقات وصيانة متأخرة وتكلفة تتضاعف

 

الخلل ليس في “وجود شبكة صرف” بل في إدارة المخاطر حولها. رئيس الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي ممدوح رسلان تحدث عن تنامي ظاهرة السرقة، وقال إن القاهرة وحدها تضم نحو 350 ألف مطبق، وإن الشركة اتجهت لاستخدام خامات بديلة مثل الخرسانة المسلحة لتقليل السرقة والتكلفة، مع الإشارة إلى أن تكلفة الغطاء الحديدي قد تتراوح (وفق تصريحاته) بين 1500 و3000 جنيه.

 

المفارقة أن أرقام الفقد/السرقة ليست هامشية. رسلان أشار إلى “إحصائية” لسرقة الأغطية خلال 3 أشهر تضمنت أرقامًا كبيرة بعدة محافظات (منها القاهرة والإسكندرية والمنيا والجيزة). وفي تقرير آخر، نُقلت أرقام عن الشركة القابضة تفيد بأن 25 إلى 30 ألف غطاء يتعرض للسرقة سنويًا على مستوى القاهرة والمحافظات.

 

نائب رئيس الشركة القابضة أحمد معوض قدّم تقديرًا مباشرًا: سرقة ما بين 25 و30 ألف غطاء سنويًا، مع تكلفة تقارب 5 آلاف جنيه للغطاء الواحد (في حالة الأغطية المصنوعة من الصلب)، وهو ما يعني خسائر “بالملايين” سنويًا. هذه ليست خسارة مالية فقط؛ هي تحويل شارع كامل إلى منطقة خطر محتمل.

 

عقد من الحوادث: أمثلة بالأرقام.. وغياب قاعدة بيانات رسمية

 

لا توجد قاعدة بيانات رسمية منشورة تُحصي على مستوى الجمهورية عدد ضحايا السقوط في البالوعات/البيارات المكشوفة خلال السنوات العشر الأخيرة، ما يجعل أي رقم “وطني شامل” محل نزاع. لكن الوقائع المنشورة في وسائل الإعلام خلال فترة قصيرة تُظهر نمطًا ثابتًا، وتقدم مؤشرات رقمية على الخطر:

 

•  الجيزة (أطفيح): مصرع شخصين وإصابة والد أحدهما أثناء محاولة الإنقاذ بسبب بالوعة صرف “بدون غطاء” (نوفمبر 2025).

 

•  المنيا (مغاغة): مصرع طفل 7 سنوات بعد سقوطه في خزان/صرف (ديسمبر 2025).

 

•  المنيا (مغاغة): وفاة عامل (18 سنة) وإصابة اثنين داخل بيارة صرف أثناء أعمال تطهير/صيانة (أغسطس 2025).

 

•  الجيزة (6 أكتوبر): وفاة طفل سقط في بالوعة غير مغطاة، مع تحقيقات استمعت لشهود وراجعت كاميرات (يناير 2026).

 

•  البحر الأحمر (مرسى علم): إنقاذ طفل سقط في بالوعة صرف وفق بيان من وزارة الداخلية (يونيو 2025).

 

هذه الأمثلة وحدها (خلال أقل من عام) تكفي لتأكيد أن “النجاة” ليست قاعدة، وأن الحوادث تتراوح بين إصابات ووفاة، وبين سقوط أفراد ومحاولات إنقاذ تتحول إلى خسائر إضافية.

 

هنا يبرز سؤال القدرة التنفيذية: رئيس شركة الصرف الصحي بالقاهرة عادل حسن قال إن استبدال الأغطية بمواد خرسانية “يحتاج وقتًا طويلًا وتمويلًا”، لكنه أشار أيضًا إلى أن الإبلاغ السريع يمكن أن يفعّل الاستجابة، وأن عملية تركيب غطاء بديل قد لا تستغرق أكثر من 30 دقيقة في حالات معينة.

 

خلاصة تنفيذية: إذا كانت الاستجابة ممكنة خلال دقائق، فالخلل الحقيقي يصبح في “الرقابة الاستباقية” ومسح الشوارع دوريًا، وفي تشديد إجراءات منع السرقة، وفي إلزام الجهات المسؤولة بخطة زمنية معلنة لتأمين النقاط الخطرة—بدل أن تبقى الشوارع رهينة فيديو جديد يفضح “فخًا” لم يره أحد إلا بعد أن ابتلع ضحية.