خلال السنوات الأخيرة، تحولت الدراما في الخطاب الرسمي من «صناعة ترفيه» إلى أداة معلنة لـ«حماية الوعى» و«مواجهة الأفكار الهدامة»، كما يصفها الكاتب الصحفي عبد الفتاح عبد المنعم، رئيس تحرير اليوم السابع، الذي يرى أن دخول الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية إلى سوق الإنتاج أعاد لمصر ريادتها كقوة ناعمة، وحوّل المسلسلات إلى «درع لحماية العقول» لا مجرد محتوى للتسلية.

 

هذه الرؤية تتقاطع مع خطاب إدارة الشركة نفسها؛ إذ يكرر رئيس مجلس إدارتها طارق نور في مناسبات رسمية، آخرها حفل Ramadan Premiere 2026، أن الدراما المصرية أداة مباشرة لتشكيل الوعى العام وترسيخ صورة مصر الإقليمية.

 

لكن بالتوازي مع هذه الرواية، تتوسع انتقادات صحفيين ومستقلين ومنظمات دولية ترى أن توسع «المتحدة» في تملك القنوات والصحف وشركات الإنتاج خلق مستوى غير مسبوق من تركّز الملكية، وربط سوق الدراما عمليًا برؤية سياسية واحدة، بما ينعكس على التعددية والحرية الإبداعية. 

 

قوة ناعمة برعاية الدولة: تنظيم السوق أم توحيد الرسالة؟

 

وفقًا لبيانات رسمية وتقارير اقتصادية، تأسست الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية عام 2016 بعد اندماج كيانات إعلامية كبرى، وأصبحت خلال سنوات قليلة أكبر تكتل إعلامي في مصر والمنطقة، مع أكثر من 30–40 شركة تابعة تعمل في الإنتاج الدرامي، والإعلان، والصحافة المطبوعة، والمنصات الرقمية.

 

اليوم تُشغِّل «المتحدة» أو تدير عبر أذرعها الإعلانية شبكات فضائية رئيسية مثل ON وDMC وCBC والحياة، إلى جانب قنوات إخبارية مثل إكسترا نيوز والقاهرة الإخبارية. كما تمتلك صحفًا ومجلات مؤثرة بينها اليوم السابع والوطن وEgypt Today وBusiness Today.

 

أنصار هذا التوجه – ومنهم عبد الفتاح عبد المنعم – يعتبرون أن هذا التركيز في القدرات الإنتاجية والإعلانية أنهى حالة «عشوائية السوق»، وسمح بتمويل أعمال ضخمة تقنيًا ودراميًا، مع توجيه الرسائل نحو قضايا يعتبرونها «مصالح وطنية» مثل مكافحة التطرف، وتعزيز صورة الدولة، ومواجهة «التريند المضلل» على منصات التواصل.

 

على مستوى المحتوى، تُستشهد أعمال بعينها لتعزيز هذه الرواية. المجلس القومي للمرأة، مثلًا، أشاد في تقارير وتصريحات متكررة بدراما رمضان الأخيرة، لطرحها قضايا العنف الأسري، ووضع النساء قانونيًا واجتماعيًا، وكرّم أعمالًا مثل تحت الوصاية باعتبارها نموذجًا لقدرة الدراما على دفع نقاش تشريعي حول قوانين الولاية والوصاية.

 

كما حظي مسلسل لم شمسية، وهو من إنتاج المتحدة، باحتفاء رسمي من وزارة التضامن والمجلس القومي للمرأة والمجلس القومي للطفولة والأمومة، باعتباره عملًا «عالي التأثير الاجتماعي» يناقش قضايا الأسرة والطفولة.

 

في هذه الصورة، تبدو «المتحدة» أداة دولة لاستعادة «القوة الناعمة» عبر دراما اجتماعية وسياسية مُحكمة الإنتاج، ومتصلة بمؤسسات رسمية تلتقط الرسائل وتحولها إلى حملات توعية أو مطالب تشريعية.

 

تركّز ملكية غير مسبوق: حين تتكلم الشاشات بصوت واحد

 

على الضفة الأخرى، تطرح أرقام الملكية والهيكل التنظيمي أسئلة أكثر حدّة.

 

مشروع Media Ownership Monitor، الذي تدعمه منظمة «مراسلون بلا حدود»، يخلص إلى أن وسائل الإعلام في مصر – مطبوعة ومسموعة ومرئية ورقمية – تتركز في أيدي عدد محدود من الفاعلين السياسيين والدولة، في بيئة مغلقة تتسم بانتشار الرقابة.

 

تقرير استقصائي لموقع مدى مصر في 2024 نقل عن مصادر داخل المؤسسات الإعلامية أن الغالبية الساحقة من المنصات التلفزيونية والصحفية إما مملوكة لكيانات سيادية عبر «المتحدة» أو تُدار بواسطة شخصيات مقربة من هذه الكيانات، في إطار «ملف إعلامي» مركزي يُعاد تشكيله مع كل تعديل في هرم السلطة الأمنية.

 

من زاوية دولية، وصفت لجنة حماية الصحفيين (CPJ) الشركة المتحدة بأنها «شركة إعلامية تسيطر عليها الاستخبارات»، وأشارت في إنذار صادر عام 2025 إلى حادثة إيقاف ثلاثة برامج تلفزيونية بارزة بعد أن وجّه مقدموها انتقادات لأداء الحكومة في ملف حوادث الطرق، معتبرة أن هذه الخطوة مؤشر على استخدام سلطة المالك المهيمن لمعاقبة الأصوات المتحفظة.

 

هذا النمط من القرارات يغذي مقولة معارضين وصحفيين مستقلين بأن تركّز الملكية في يد كيان واحد متشابك مع الدولة الأمنية، يجعل «تنظيم السوق» أقرب إلى «توحيد الرسالة» وإعادة صياغة هوامش النقد، لا مجرد تحسين مستوى الإنتاج.

 

حتى على مستوى الدراما، يشير نقاد إلى أن أعمالًا تناولت أحداث السنوات الخمس عشرة الماضية – وبينها أعمال حظيت بدعم ترويجي واسع – قدّمت سرديات تتقاطع بدرجة كبيرة مع الرواية الرسمية لمرحلة ما بعد 2013، مع غياب شبه كامل لأصوات أخرى أو زوايا رؤية بديلة للأحداث نفسها. هذه الملاحظة تتقاطع مع تحليلات صحفية عربية ترى أن الموسم الرمضاني بات ساحة تنافس بين سرديات دول الإقليم، وأن القاهرة رغم حضورها الإنتاجي تواجه صعوبات في تقديم سرديات أكثر تعددية.

 

بين «هندسة الوعى» والتعددية: دراما تحت سقف السياسة

 

في مقال بعنوان «دراما المتحدة من صناعة الترفيه إلى هندسة الوعى»، يصف عبد الفتاح عبد المنعم التحول الجاري بوصفه انتقالًا واعيًا من منطق «المسلسل للتسلية» إلى «المسلسل كجزء من مشروع دولة يعيد بناء نفسه عمرانيًا وسياسيًا وثقافيًا»، ويعتبر حفل إطلاق خريطة دراما رمضان 2026 إعلانًا صريحًا لهذا التحول.

 

المصطلح نفسه – «هندسة الوعى» – يفتح باب انتقاد واسع. فبالنسبة لقطاع من الكتّاب والباحثين في الإعلام، يتحول الحديث عن «الهندسة» إلى إشارة مباشرة لاستخدام الدراما كأداة تعبئة سياسية وإعادة صياغة التاريخ المعاصر من زاوية واحدة، خصوصًا إذا تزامن مع حضور طاغٍ لمؤسسات الدولة في مشهد الإنتاج، ومع تشديد رسمي على «ضبط» المحتوى.
في 2025، مثلًا، تحدثت تقارير صحفية عربية عن تشديد مؤسسات الدولة الرقابة على مسلسلات رمضان بعد انتقادات رئاسية علنية لـ«محتوى غير مناسب»، وهو ما قرئ كإشارة إلى أن سقف ما يمكن تمريره على الشاشة يُحدَّد سياسيًا بقدر لا يقل عن المحددات التجارية أو الفنية.

 

في المقابل، يرى مؤيدو هذا التوجه أن الأمر لا يتعلق بـ«دعاية»، بل بمحاولة لحماية المجتمع من محتوى يعتبرونه مسيئًا أو محفزًا للعنف أو مخالفًا لـ«الهوية والقيم»، وأن الدولة – عبر «المتحدة» – تملأ فراغًا تركه سوق دراما كان يميل لسنوات نحو الاعتماد على العنف المفرط واللغة السوقية والصور النمطية.

 

بين هذين التصورين، تبقى الأسئلة الأكثر حدة دون إجابة واضحة:

 

•  إلى أي مدى يمكن لكيان واحد يملك أغلب المنصات الكبرى أن يضمن تعددية حقيقية في الرأي والسرد؟

 

•  وما حدود استخدام «القوة الناعمة» كأداة لسياسة الدولة دون أن تتحول الدراما إلى مساحة مغلقة يُعاد فيها إنتاج الواقع كما تراه السلطة وحدها؟

 

المؤكد حتى الآن أن الدراما المصرية عادت لاعبًا سياسيًا وثقافيًا مؤثرًا، وأن «المتحدة» أصبحت البوابة شبه الحصرية لهذا التأثير. الحسم لن يكون في البيانات ولا في حفلات الإطلاق، بل في قدرة الشاشة خلال المواسم المقبلة على استيعاب قصص وأصوات متعددة، لا قصة واحدة تُروى بإنتاج فاخر وإخراج متقن، لكن من زاوية واحدة فقط.