قدّمت لجنة الدفاع عن سجناء الرأي مذكرة إلى النائب العام تطالب فيها بالإفراج عن المحبوسين احتياطيًا الذين تجاوزت مدد احتجازهم الحدود القصوى التي يضعها القانون، معتبرة أن استمرار حبسهم دون إحالة للمحاكمة أو دون سند إجرائي واضح يضع المنظومة أمام اختبار سيادة القانون. التحرك جاء بالتوازي مع إعلان اللجنة تكثيف الضغط الشعبي والقانوني، دون إعلان رد رسمي حتى الآن.

 

الإطار القانوني: مدد قصوى مُعلنة.. ومساحة واسعة للتأويل

 

الأساس الدستوري ينص على أن الحرية الشخصية مصونة، وأن الحبس لا يكون إلا بأمر قضائي مسبب ولمدة محددة. لكن النقاش الحالي لا يدور حول “مشروعية الحبس” من حيث المبدأ، بل حول تجاوزه السقف الزمني الذي يفترض أن يكون حدًا مانعًا لا توصية.

 

الأهم أن مصر شهدت تغييرات تشريعية مرتبطة بملف الحبس الاحتياطي خلال الفترة الأخيرة. تغطيات برلمانية وإعلامية قالت إن قانون الإجراءات الجنائية الجديد (رقم 174 لسنة 2025) خفّض مدد الحبس الاحتياطي مقارنة بالصياغات السابقة، وحدد حدودًا قصوى أقصر في الجنح والجنايات، مع تمييز في الحالات الأشد خطورة.

 

هذا يعني أن النقطة القانونية التي تطرحها المذكرة لا تتعلق فقط بما كان يُعرف تقليديًا بحد العامين في الجنايات، بل أيضًا بمدد “أقصر” نصّت عليها تعديلات أحدث، ما يجعل تجاوزها أكثر فداحة من زاوية التناسب والضمانات.

 

المحامي الحقوقي نجاد البرعي—عضو مجلس أمناء الحوار الوطني—تعامل علنًا مع ملف الحبس الاحتياطي باعتباره محورًا يحتاج ضبطًا تشريعيًا وإجرائيًا، واعتبر النقاش حول نصوص قانون الإجراءات جزءًا من محاولة “إصلاح” يتوقف على التطبيق الفعلي لا الصياغات وحدها.

 

جوهر الشكوى: “التجاوز” و”التدوير” وإطالة الطريق إلى المحاكمة

 

في قلب المذكرة سؤال مباشر: لماذا يبقى متهمون رهن الحبس الاحتياطي بعد تجاوز الحدود القصوى، أو دون إحالة واضحة للمحاكمة؟ منظمات حقوقية ترى أن المشكلة ليست نقص قواعد، بل ضعف الالتزام بها، ووجود ممارسات التفاف مثل “إعادة التدوير” عبر قضايا جديدة أو توسيع نطاق الاتهامات بما يمدد الاحتجاز. المركز العربي للأبحاث ودراسات حقوق الإنسان (CIHRS) وصف تجاوز حد العامين بأنه أمر “يتكرر” ويتطلب إرادة سياسية وإجرائية لمعالجته.

 

المبادرة المصرية للحقوق الشخصية كانت قد انتقدت منذ سنوات ما تعتبره استخدامًا للحبس الاحتياطي كـ“عقوبة سياسية”، وأشارت إلى أن طلبات الإفراج بعد بلوغ الحد الأقصى تُقابل أحيانًا بإجراءات لا تنهي الاحتجاز عمليًا.

 

وفي سياق عملي، طرح المحامي خالد علي في أكثر من مناسبة إشكاليات مرتبطة باحتساب مدد الحبس الاحتياطي وآليات التجديد وكيف يمكن أن تُنتج بقاءً طويلًا خلف القضبان حتى عندما يفترض أن تكون المدد محددة.

 

أما جمال عيد—المحامي والناشط الحقوقي—فركز في مداخلات سابقة على أن مشكلة الحبس الاحتياطي ليست في “مبدأ التحفظ” بل في “تحوله إلى احتجاز مفتوح”، وتحدث صراحة عن “التدوير” باعتباره ثغرة عملية تُبقي الأشخاص قيد الاحتجاز رغم انتهاء المدد.

 

وعلى المستوى المؤسسي، يُعدّ حسام بهجت مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية من أبرز الأصوات التي تتناول ملف العدالة الإجرائية والحبس الاحتياطي ضمن عمل حقوقي موثق، في وقت تتصاعد فيه حساسية السلطات تجاه هذا النوع من الطرح، بحسب تغطيات مستقلة وتقارير حقوقية.

 

الرواية الرسمية والاختبار العملي: أين الشفافية وأين البيانات؟

 

في المقابل، تؤكد الحكومة على خط ثابت: لا “معتقلين سياسيين” وفق التعبير الرسمي، وأن الموجودين رهن الاحتجاز “متهمون” أمام جهات تحقيق ومحاكم، وأن كل شيء يتم في إطار القانون. وزير الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسي محمود فوزي صرّح صراحة بأن “لا يوجد معتقلون” وأن الجميع يُحاكم أمام “القاضي الطبيعي”.

 

لكن هذه الرواية—حتى لو قُبلت بصيغتها العامة—لا تجيب على سؤال المذكرة: إذا كانت الإجراءات قانونية بالكامل، فلماذا تُطرح أزمة “تجاوز المدد” من الأساس، ولماذا لا تُنشر بيانات تفصيلية دورية عن أعداد المحبوسين احتياطيًا، مدد احتجازهم، وعدد من تجاوزوا السقف القانوني، وما تم بشأنهم؟

 

المخرج الإجرائي الأكثر واقعية الذي يطرحه خبراء قانونيون وحقوقيون هو: شفافية رقمية، ومراجعة قضائية فعالة لقرارات التجديد، وضمان حق الدفاع في الطعن، وربط أي تمديد بضرورات محددة ومعللة، لا بصيغ نمطية. وإلى أن يحدث ذلك، ستظل المذكرة مجرد عنوان لأزمة أعمق: قانون يضع سقفًا، وممارسة تختبر معنى السقف كل يوم.