عادت أسعار الدواجن لتتصدر المشهد مع تقلبات حادة خلال أيام، بعدما تجاوز سعر الكيلو في المزرعة 95 جنيهًا قبل أن يتراجع إلى نطاق 85–86 جنيهًا، بينما بقي سعر المستهلك أعلى بكثير. الفجوة بين “باب المزرعة” و”فاتورة المواطن” أصبحت هي لبّ الأزمة: سوق سريع الحركة، وسلاسل توريد طويلة، وشكاوى متكررة من ممارسات مسيطرة، يقابلها رد رسمي يعتمد أساسًا على زيادة المعروض عبر الدواجن المجمدة المستوردة مع اقتراب رمضان.
قفزة الأسعار: ما بين “باب المزرعة” و”سعر التجزئة”
البيانات المنشورة في بورصات الدواجن وتقارير السوق تشير إلى أن السعر في المزرعة تحرك سريعًا من مستويات منتصف الثمانينات إلى ذروة تخطت 95 جنيهًا، ثم عاد ليستقر قرب 85–86 جنيهًا. هذا الهبوط الجزئي لم ينعكس بالضرورة على المستهلك بنفس الدرجة، ما يعيد الاتهام التقليدي إلى “الحلقات الوسيطة” التي تلتهم أي تراجع قبل أن يصل إلى الناس.
الدكتور عبدالعزيز السيد، رئيس شعبة الثروة الداجنة باتحاد الغرف التجارية، قال صراحة إنه لم يكن متوقعًا تجاوز السعر 90 جنيهًا داخل المزرعة، متسائلًا عن سبب القفزة “في يوم وليلة”، وهو طرح يركز على أن المشكلة ليست مجرد نقص إنتاج، بل خلل في آليات التسعير وانتقال السلعة من المنتج إلى المستهلك.
النتيجة على الأرض واضحة: مواطن يدفع رقمًا أعلى من منطق التكلفة، ومربٍ صغير لا يملك قدرة تخزين أو تفاوض، بينما تتحرك الأسعار يومًا بيوم دون شفافية كافية حول حجم المعروض الفعلي ومسار البيع.
استجابة الحكومة: “كسر السعر” بالمجمدات.. أم ترحيل الأزمة؟
التحرك الرسمي الأبرز جاء عبر اتفاق ثلاثي بين وزارتي التموين والزراعة وجهاز “مستقبل مصر” لاستيراد دواجن مجمدة وطرحها بالمنافذ قبل رمضان بهدف تعزيز المعروض وضبط السوق. هذا المسار يعالج جانب “الطلب المرتفع” سريعًا، لكنه لا يجيب عن سؤال جوهري: لماذا يصل السوق إلى نقطة يحتاج فيها كل موسم إلى “حل استيرادي” بدل إصلاح قواعد المنافسة والتسعير؟
الدكتور ثروت الزيني، نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن، يربط التقلبات بطبيعة الاستهلاك في مصر، حيث يميل جزء كبير من الطلب إلى الدواجن الحية، وهي سلعة يصعب تخزينها، ما يجعل السوق شديد الحساسية للعرض والطلب يومًا بيوم. هذا التفسير يوضح جانبًا من التذبذب، لكنه لا ينفي أن سوء التنظيم يسمح بتحول أي موجة طلب إلى قفزة سعرية يشعر بها المستهلك فورًا.
المشكلة أن الاستيراد قد ينجح في “تهدئة” السعر مؤقتًا، لكنه قد يضغط على المنتج المحلي إذا تكرر كحل دائم، بينما تبقى عناصر التكلفة الأساسية (علف/كتاكيت/نقل/تمويل) بلا علاج هيكلي.
جوهر الأزمة: منافسة غائبة، وبيانات ناقصة، وجدال حول النفوق
القطاع نفسه يطالب منذ سنوات بإنفاذ أقوى لقواعد المنافسة والشفافية. وفي هذا السياق، عُقدت اجتماعات بين وزير الزراعة ورئيس جهاز حماية المنافسة واتحاد منتجي الدواجن لبحث آليات ضبط السوق استعدادًا لرمضان. مجرد انعقاد الاجتماع اعتراف بأن القضية ليست “سعر يومين”، بل منظومة تحتاج رقابة وتدخلاً مؤسسيًا على مستوى السلاسل الوسيطة والممارسات الضارة.
الدكتور محمود ممتاز، رئيس جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، يقود جهازًا يفترض أن يتعامل مع الشكاوى المتعلقة بالممارسات الاحتكارية والاتفاقات التي تضرّ بالمستهلك. تفعيل دور الجهاز في ملف الدواجن لا يعني “تسعيرًا جبريًا”، لكنه يعني تفكيك أي اتفاقات أو ممارسات تقيّد السوق أو تخلق ندرة مصطنعة أو ترفع هوامش الوسطاء بلا مبرر.
وفي خلفية المشهد، يظهر عامل آخر يضاعف التوتر: الجدل حول نسب النفوق والأمراض. تقارير وتصريحات سابقة تحدثت عن مخاوف من نفوق مرتفع، لكن محمود العناني، رئيس الاتحاد العام لمنتجي الدواجن، قلل من تقديرات النفوق الواسعة وأكد أن مصر تضم نحو 27 ألف مزرعة، وأن ما يحدث قد يكون في نطاقات محدودة مرتبطة بتقلبات الطقس، نافيًا وجود وباء عام يفسر وحده انفجار الأسعار. هذا التضارب نفسه يفتح باب الشائعات والمضاربات، ويؤكد الحاجة لبيانات رسمية دورية دقيقة عن الإنتاج والنفوق والتسكين.
الخلاصة أن جوهر الموضوع ليس “زيادة سعر الكيلو” فقط، بل منظومة تسمح بتقلبات حادة دون شفافية كافية، وتتعامل مع الأزمة الموسمية عبر الاستيراد أكثر من ضبط الحلقات الوسيطة وإنفاذ المنافسة. الحل الجذري يبدأ من بيانات سوق معلنة، ورقابة منافسة حقيقية، وآليات تسويق تقلل فجوة المزرعة–التجزئة، لا من مسكنات تتكرر كل موسم.

