اجتماع قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي مع مصطفى مدبولي وأحمد كجوك لوضع حزمة حماية اجتماعية جديدة قبل رمضان، يعيد طرح السؤال نفسه:
هل نحن أمام سياسة اجتماعية مستدامة، أم «مُسكِّن نقدي» موسمي لتهدئة الشارع تحت ضغط الغلاء والتزامات صندوق النقد؟
البيان الرسمي تحدّث عن صرف رواتب فبراير مبكرًا، ودعم «حياة كريمة»، وتعزيز مخصصات الصحة والتأمين الصحي الشامل، إلى جانب إصلاحات ضريبية وجمركية وربط ذلك بالتفاوض مع صندوق النقد وخفض الدين العام.
لكن القراءة القانونية والحقوقية تكشف أن القضية أعمق من مجرد مواعيد صرف المرتبات أو قيمة «الشيك» الذي سيصل للفئات الأولى بالرعاية.
الدستور يتحدث عن العدالة الاجتماعية.. فهل تكفي «الحزم الموسمية»؟
دستور 2014 يلزم الدولة صراحة بتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير سبل التكافل الاجتماعي وضمان حياة كريمة للمواطنين. المادة 8 تتحدث عن العدالة والتكافل، والمادة 17 عن الضمان والتأمين الاجتماعي لكل من لا يملك إعالة نفسه وأسرته.
الفقيه الدستوري الدكتور محمد نور فرحات ذكّر في أكثر من دراسة وندوة بأن العدالة الاجتماعية ليست «منحًا اختيارية» من السلطة، بل التزام بنيوي في بنية النظام السياسي، يتطلب سياسة واضحة لتقليل الفوارق الطبقية، لا مجرد إجراءات متفرقة أو ظرفية.
في ضوء ذلك، تبدو الحزمة الجديدة امتدادًا لمسار متكرر: اجتماعات رئاسية مع رئيس الوزراء ووزير المالية، تعلن بعدها حزمة موجهة لحاملي بطاقات «تكافل وكرامة»، والموظفين وأصحاب المعاشات، مع تأكيد على «استمرار جهود الحماية الاجتماعية» في الوقت نفسه الذي يُعاد فيه التشديد على الانضباط المالي وخفض الدين.
المحامي الحقوقي نجاد البرعي، وهو من أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان في مصر، كان قد أشار في سياق الحوار الوطني إلى أن ملف الدعم النقدي والعيني يجب أن يُناقش علنًا وبمشاركة مجتمعية حقيقية، مع توصيات واضحة، وليس عبر قرارات مفاجئة من أعلى فقط.
هنا يصبح السؤال القانوني: هل ما يجري هو تفعيل تدريجي لالتزامات الدستور الاجتماعية، أم إدارة سياسية لأزمة غلاء بأسلوب «الجرعة قبل رمضان»؟
دعم نقدي لا يوقف التضخم
المدافع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية خالد علي بنى جزءًا كبيرًا من مسيرته القانونية على فكرة أن سياسة الدعم في مصر فشلت في الوصول إلى الفقراء، وأن عدم عدالة توزيع أعباء الإصلاح كان سببًا مباشرًا في موجات غضب شعبية سابقة.
خالد علي سبق أن وصف ارتفاع الأسعار استجابة لشروط صندوق النقد بأنه «جريمة ضد الفقراء»، محذرًا من أن تحميل الطبقات الدنيا وحدها تكلفة الإصلاح ينسف أي حديث عن العدالة الاجتماعية.
في السياق نفسه، تُظهر دراسات المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن التحويلات النقدية وحدها – مهما ارتفعت – لا تعالج جذور الأزمة: هيكل أجور غير عادل، ضرائب غير تصاعدية، توسع في الديون، وارتفاع مستمر في أسعار الغذاء والسكن والخدمات.
تقارير البنك الدولي ومنظمات دولية أخرى تشير إلى أن المواطنين في المنطقة، ومنهم المصريون، يريدون أكثر من «إعانات مؤقتة»؛ يريدون خدمات عامة جيدة، وفرص عمل لائقة، وأنظمة حماية قادرة على امتصاص الصدمات، لا مجرد تحويلات نقدية تعجز عن اللحاق بموجات التضخم.
من زاوية قانونية، يشدد خالد علي منذ سنوات على أن أي حديث عن حماية اجتماعية جاد يجب أن يقترن بإصلاح حقيقي في بنية الأجور وحدّيها الأدنى والأقصى، وربط الأجر بالأسعار، لا الاكتفاء بزيادات متقطعة تُستهلك سريعًا في موجات الغلاء التالية.
بهذا المعنى، تبدو الحزمة الجديدة خطوة تخفف حدة الأزمة على المدى القصير، لكنها لا تمس الأسئلة الجوهرية: من يدفع فاتورة الإصلاح؟ وكيف يُعاد توزيع الأعباء بين الفئات؟
بين صندوق النقد وهاجس السخط الشعبي
المفاوضات مع صندوق النقد الدولي تتطلب – كما تعكسها الخبرات السابقة – إجراءات تقشف، تحرير أسعار، وإعادة هيكلة للدعم. وفي المقابل، تحاول السلطة تمرير هذه الإجراءات عبر حزم اجتماعية متتالية، حتى لا تنفجر الأوضاع اجتماعيًا.
خالد علي كان من أوائل من رفعوا دعاوى قضائية للمطالبة بكشف شروط قروض صندوق النقد للرأي العام، معتبرًا أن الخفاء في هذه الملفات يمس مباشرة حقوق من سيدفع الثمن: دافعي الضرائب وأصحاب الدخول المحدودة.
من جانبه، يذكّر نجاد البرعي، في كتاباته عن دولة القانون وحقوق الإنسان، بأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ليست قابلة للتجزئة عن الحقوق المدنية والسياسية؛ فغياب الشفافية والمشاركة في إدارة السياسات الاقتصادية يقوِّض الثقة العامة، حتى لو زادت أرقام الدعم المعلن.
أما المحامي الحقوقي طارق العوضي، عضو لجنة العفو والحوار الوطني، فيربط نجاح الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان بقدرة الدولة على ترجمة شعارات الكرامة والعدالة إلى سياسات ملموسة، اقتصاديًا واجتماعيًا، وليس فقط بإجراءات سياسية مثل الإفراجات أو الحوار.
في الخلفية يبقى رأي فقهاء الدستور، وعلى رأسهم محمد نور فرحات: الدولة في نصوص الدستور «دولة اجتماعية»؛ أي أن الحماية الاجتماعية ليست مبادرة ظرفية، بل نمط حكم دائم، يقوم على توزيع عادل للأعباء والموارد، وضمان حد أدنى كريم للحياة لكل مواطن.
بين هذه الرؤى، تبدو حزمة ما قبل رمضان خطوة جديدة في مسار مألوف:
دعم نقدي إضافي، ورسائل سياسية عن «حرص الدولة على الفئات الأولى بالرعاية»، في مقابل استمرار نفس المسار الاقتصادي العام.
السؤال الذي يتركه أربعة من أبرز المحامين والحقوقيين في الخلفية واضح وإن لم يطرحوه مجتمعين:
هل تتحول الحماية الاجتماعية إلى ركن ثابت من «عقد اجتماعي» جديد، أم تبقى مجرد أداة لإدارة الغضب كلما اشتدت الأزمة واقترب رمضان؟

