بدأ مجلس خبراء القيادة في إيران حسم واحدة من أخطر اللحظات السياسية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، بعد إنهاء عملية تصويت سرية مكتوبة لاختيار المرشد الأعلى الجديد للبلاد، في ظل ظروف أمنية غير مسبوقة فرضتها الحرب الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

جاءت عملية التصويت بعد أيام من القصف الذي استهدف مواقع في طهران وقم، وهو ما دفع المجلس إلى تغيير آلية اجتماعاته التقليدية وإجراء التصويت بوسائل غير حضورية.

تزامن ذلك مع تصعيد عسكري واسع، شمل تهديدات إسرائيلية مباشرة لكل من يشارك في عملية اختيار المرشد، إضافة إلى ضربات جوية استهدفت منشآت نفطية داخل إيران وهجمات صاروخية إيرانية على العمق الإسرائيلي.

 

تصويت سري لمجلس الخبراء تحت ظروف استثنائية

 

أنهى أعضاء مجلس خبراء القيادة عملية التصويت المكتوب والمختوم لاختيار المرشد الأعلى الجديد، بعد إجراءات استثنائية فرضتها التطورات الأمنية الأخيرة. وذكرت وسائل إعلام إيرانية أن عملية جمع الأصوات تمت خلال الساعات الماضية، وسط توقعات بإعلان اسم المرشد المنتخب خلال ساعات، دون الكشف عن هويته حتى الآن.

 

سبق عملية التصويت اجتماع لما يعرف بمجلس القيادة المؤقت برئاسة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، حيث جرى بحث آلية انعقاد جلسة مجلس الخبراء، وهو الهيئة الدستورية المخولة باختيار المرشد الأعلى في البلاد. ويأتي هذا الاجتماع في وقت تواجه فيه المؤسسات السياسية الإيرانية واحدة من أكثر الفترات اضطرابا منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979.

 

يضم مجلس خبراء القيادة 88 رجل دين، ويعد الجهة الوحيدة المخولة دستوريا باختيار المرشد الأعلى ومراقبة أدائه. لكن الظروف الحالية فرضت تغييرا غير مسبوق في طريقة انعقاد جلساته بعد تعرض مقار مرتبطة به للقصف خلال الأيام الماضية.

 

وأوضح الباحث في الشأن الإيراني علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، أن إجراء التصويت في ظل هذه الظروف يعكس محاولة المؤسسة الدينية الحفاظ على استمرارية النظام السياسي رغم الضغوط العسكرية. وأضاف أن توثيق الأصوات بشكل مكتوب ومختوم يمثل محاولة لتجنب أي جدل حول شرعية القرار في مرحلة شديدة الحساسية.

 

القصف يغير آلية اختيار المرشد

 

فرضت الضربات العسكرية الأخيرة تغييرات جوهرية على آلية عمل مجلس الخبراء، بعدما تعرض مكتب المجلس في مدينة قم والمبنى القديم للمجلس التشريعي في منطقة باستور بطهران للقصف. هذان الموقعان يعدان من الأماكن التي تعقد فيها عادة اجتماعات المجلس.

 

وبسبب هذه التطورات الأمنية، قرر المجلس عقد اجتماعه عبر وسائل افتراضية، مع اعتماد آلية تصويت مكتوبة ومختومة لضمان توثيق أصوات الأعضاء. الهدف من هذه الخطوة كان الحفاظ على سجل رسمي واضح لعملية اختيار المرشد الجديد، وتفادي أي طعون مستقبلية في شرعية القرار.

 

كما وجه المرجع الديني آية الله ناصر مكارم الشيرازي رسالة إلى أعضاء مجلس الخبراء دعا فيها إلى الإسراع في اختيار المرشد الأعلى الجديد. وأكد في رسالته أن سرعة الحسم ضرورية في ظل حالة الارتباك السياسي الحالية، مشيرا إلى أن اتخاذ القرار في الوقت المناسب يمكن أن يعزز الاستقرار الداخلي ويعيد تنظيم مؤسسات الدولة.

 

وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران صادق زيباكلام إن المؤسسة الدينية تدرك أن الفراغ في منصب المرشد قد يؤدي إلى تفكك مراكز القرار داخل الدولة. وأضاف أن تسريع عملية الاختيار يهدف إلى منع أي صراع داخلي على السلطة في لحظة تواجه فيها إيران ضغوطا عسكرية وسياسية غير مسبوقة.

 

تهديدات إسرائيلية وتصعيد عسكري متواصل

 

تزامنت عملية اختيار المرشد مع تصعيد عسكري واسع بين إيران وإسرائيل. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي أنه سيستهدف أي جهة تشارك في اجتماع اختيار المرشد الجديد، مؤكدا أنه سيلاحق كل من يسعى لتعيين خليفة للمرشد الراحل علي خامنئي.

 

في الوقت نفسه دوت صفارات الإنذار في عدة مناطق داخل إسرائيل صباح الأحد بعد إطلاق موجات متتالية من الصواريخ من الأراضي الإيرانية باتجاه العمق الإسرائيلي، بحسب ما نقلته صحيفة "يديعوت أحرنوت". وأفادت مصادر عسكرية إسرائيلية أن أنظمة الدفاع الجوي جرى تفعيلها في عدة قطاعات حيوية للتصدي للهجمات الصاروخية.

 

على الجانب الآخر شهدت محافظة يزد وسط إيران انفجارات عنيفة في اليوم التاسع من الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وفقا لما أوردته وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية.

 

كما أكد مسؤول إيراني للتلفزيون الرسمي أن الولايات المتحدة وإسرائيل استهدفتا خمس منشآت نفطية خلال قصف ليلي في طهران ومحيطها. وشملت الضربات أربع مستودعات نفطية إضافة إلى مركز لنقل المنتجات البترولية في العاصمة الإيرانية وجبال البرز.

 

وقال كرامات فيسكارامي، الرئيس التنفيذي للشركة الوطنية الإيرانية لتوزيع المنتجات النفطية، إن الهجمات أسفرت عن مقتل 4 أشخاص من العاملين في القطاع بينهم سائقا شاحنات نفط، مؤكدا أن فرق الطوارئ تمكنت من السيطرة على الحرائق رغم الأضرار التي لحقت بالمنشآت.

 

وفي موازاة التطورات العسكرية، أثار تصريح للرئيس الأمريكي دونالد ترمب جدلا سياسيا جديدا، بعدما أعلن أن مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، يعد المرشح الأوفر حظا لخلافة والده. إلا أن ترمب اعتبر أن هذه النتيجة غير مقبولة بالنسبة لواشنطن، واصفا مجتبى خامنئي بأنه شخصية ضعيفة.

 

كما قال الرئيس الأمريكي إنه يرغب في الانخراط شخصيا في اختيار القيادة الإيرانية الجديدة، مؤكدا أن الولايات المتحدة لن تقبل بزعيم يواصل السياسات التي اتبعها المرشد الراحل. وأضاف أن استمرار هذه السياسات قد يدفع واشنطن إلى خوض حرب جديدة مع إيران خلال 5 سنوات.

 

ويرى الباحث في العلاقات الدولية تريتا بارسي أن التصريحات الأمريكية بشأن هوية المرشد الجديد تعكس محاولة واضحة للتأثير السياسي في مسار الخلافة داخل إيران. وأضاف أن هذا التدخل الخارجي قد يدفع المؤسسة الدينية الإيرانية إلى التشدد أكثر في اختيار شخصية قادرة على مواجهة الضغوط الدولية في المرحلة المقبلة.