أعادت السلطات التونسية فتح ملف الحريات العامة من أوسع أبوابه بعد قرار تعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان لمدة شهر، لأن القرار استهدف منظمة تملك حضورًا تاريخيًا في الدفاع عن الحقوق، وجاء في لحظة تتسع فيها الإجراءات ضد الجمعيات والصحافيين والمعارضين منذ تركيز الرئيس قيس سعيد للسلطات في يده عام 2021.

 

ويكشف القرار الجديد أن الأزمة لم تعد محصورة في خلاف إداري بين الدولة وجمعية حقوقية، لأن السلطة نقلت الضغط من الملاحقة السياسية والإعلامية إلى تعطيل كيانات مدنية كاملة، بينما ترى منظمات حقوقية أن هذا المسار يضرب أحد أهم مكاسب ما بعد ثورة يناير 2011 ويضع تونس أمام انكماش علني للمجال العام.

 

قرار إداري يطعن منظمة تاريخية في قلب حضورها العام

 

في مساء الجمعة 24 أبريل 2026، تلقت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان قرارًا بتعليق نشاطها لمدة شهر، واعتبرت الرابطة القرار إجراءً تعسفيًا وخطيرًا، لأنه يمس حرية التنظيم والعمل الجمعياتي ويستهدف مؤسسة حقوقية عرفت بدورها في مراقبة الانتهاكات والدفاع عن ضحاياها.

 

وبعد ذلك، ربطت الرابطة القرار بسياق أوسع من التضييق المنظم على المجتمع المدني والأصوات المستقلة، وأكدت أنها سلكت المسارات القانونية والإدارية المعمول بها، وأنها ستطعن على القرار وتقدم المعطيات التي تثبت احترامها للقانون، وهو موقف يحول التعليق إلى مواجهة مباشرة حول حق الجمعيات في البقاء والعمل.

 

كما يمنح تاريخ الرابطة القرار وزنًا سياسيًا أكبر من مدته الزمنية، لأنها تعد من أقدم المنظمات الحقوقية في المنطقة، وكانت ضمن الرباعي الراعي للحوار الوطني الذي حصل على جائزة نوبل للسلام عام 2015، ولذلك لا يبدو تعليق نشاطها إجراءً عابرًا بل رسالة موجهة إلى ذاكرة الانتقال الديمقراطي نفسها.

 

وفي هذا السياق، يبرز موقف رئيس الرابطة بسام الطريفي بوصفه شهادة من داخل المؤسسة المستهدفة، إذ أعلن أن الرابطة تلقت القرار من دون تقديم مبررات كافية، بما يجعل المسار الإداري أداة ضغط على كيان حقوقي لا خصومة تنظيمية معه بقدر ما توجد خصومة مع دوره الرقابي.

 

السلطة توسع دائرة التضييق من الجمعيات إلى المجال العام

 

ثم جاء تعليق الرابطة بعد أشهر من إجراءات مشابهة طالت منظمات أخرى، بينها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات ومنظمات معنية بالمهاجرين والحقوق الفردية، وهو ما يجعل القرار حلقة جديدة في سياسة تستهدف المؤسسات القادرة على توثيق الانتهاكات ومساءلة السلطة.

 

وبحسب الوقائع المتتابعة منذ عام 2021، لم تبدأ الأزمة بقرار تعليق جمعية واحدة، لأن الرئيس قيس سعيد علق البرلمان المنتخب ثم حكم بمراسيم، وبعدها توسعت الملاحقات ضد معارضين وصحافيين ونشطاء، بينما صار الخطاب الرسمي عن التمويل الأجنبي مدخلًا متكررًا لتجريم العمل المدني المستقل.

 

وفي أكتوبر 2025، قال رمضان بن عمر الناطق باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إن قرار تعليق المنتدى جاء ضمن سلسلة تدقيقات مالية وجبائية بدأت في أبريل 2025، واعتبر المنتدى أن تلك الإجراءات تستهدف إخضاع الأصوات الحرة، وهو توصيف يفسر انتقال الضغط من المراقبة إلى التعطيل المؤقت ثم التهديد الدائم.

 

لذلك، لا يظهر قرار تعليق الرابطة كحدث منفصل عن سياسة متدرجة، لأن السلطة استخدمت أدوات إدارية وقضائية متشابهة ضد منظمات مختلفة، ثم وضعت تلك المنظمات في موقع الدفاع عن قانونية وجودها، بدل أن تمارس دورها في الدفاع عن المواطنين ومراقبة السجون والانتهاكات العامة.

 

الصحافة تحت الملاحقة والاحتجاجات تتحول إلى مؤشر خطر

 

وبالتزامن مع القرار، خرج عشرات المحتجين في تونس دفاعًا عن حرية الصحافة ودعمًا للصحافي مراد الزغيدي المسجون منذ عام 2024، وجاءت الوقفة قبل جلسات قضائية مرتبطة به وبزميله برهان بسيّس، بما جعل أزمة الرابطة جزءًا من مشهد أوسع يطارد الصحافيين والمنابر المستقلة.

 

وقبل ذلك، عاقبت محكمة تونسية مراد الزغيدي وبرهان بسيّس بالسجن عام 2024 على خلفية اتهامات بنشر أخبار كاذبة والإساءة إلى آخرين، وجرى ربط القضية بالمرسوم 54 الصادر عام 2022، وهو مرسوم انتقدته منظمات وصحافيون بسبب صياغاته الواسعة واستخدامه ضد منتقدي السلطة.

 

ثم زادت السلطات الضغط على الصحافة يوم 24 أبريل 2026، حين جرى توقيف الصحافي زياد الهاني بعد مقال انتقد فيه القضاء، وقال محاميه نافع العريبي إن النيابة أمرت بالتوقيف، بينما اعتبرت نقابة الصحافيين التونسيين الواقعة جزءًا من حملة أوسع ضد حرية التعبير.

 

وفي هذا المسار، حذر زياد دبار رئيس النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين من أن الصحافة في خطر، ونبه إلى تهديد جمعية الخط الناشرة لموقع إنكفاضة عبر جلسة قضائية في 11 مايو 2026، وقال إن السلطات تريد إغلاق وسيلة إعلامية لأنها تسبب إزعاجًا للسلطة.

 

وبذلك، تضع السلطة التونسية نفسها في مواجهة مفتوحة مع ثلاثة خطوط دفاع مدنية في وقت واحد، وهي منظمات حقوق الإنسان والجمعيات الاجتماعية والصحافة المستقلة، ولا يملك هذا المسار تفسيرًا مقنعًا خارج محاولة تقليص الرقابة المجتمعية وإضعاف الأصوات التي توثق الانتهاكات وتكشف أثر السياسات الرسمية.

 

وفي الأخير لا يمثل تعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان قرارًا محدود الأثر، لأن الدولة استهدفت منظمة تحمل رمزية قانونية وتاريخية وتونسية واسعة، وإذا مر القرار بلا تراجع واضح فسوف يصبح شهر التعليق اختبارًا لمدى قدرة السلطة على تحويل التضييق المؤقت إلى قاعدة لإدارة المجال العام.