أصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي صباح الأحد أوامر إخلاء جديدة لسكان 11 بلدة وقرية في جنوب لبنان، بعضها في محافظة النبطية شمال نهر الليطاني، بالتزامن مع غارات قتلت 7 أشخاص على الأقل السبت، وهدم أجزاء من دير كاثوليكي في بلدة يارون الحدودية، في تصعيد يوسع نطاق التهجير بعد هدنة 17 أبريل.

 

ويأتي التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان ضمن سياسة ضغط ميداني لا تكتفي باستهداف مواقع عسكرية مزعومة، بل تمتد إلى القرى والمنازل والمنشآت الدينية والمدنية، بما يحول حياة السكان إلى قرار إخلاء دائم، ويدفع لبنان إلى دفع ثمن احتلال مقنع باسم المنطقة الأمنية.

 

أوامر الإخلاء تمتد خارج خطوط الليطاني

 

حدد المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي أفيخاي أدرعي عبر منصة إكس أسماء 11 بلدة وقرية في جنوب لبنان، وطالب السكان بإخلاء منازلهم فورًا والابتعاد لمسافة لا تقل عن 1000 متر نحو أراض مفتوحة، بزعم أن الجيش سيعمل بقوة ضد أهداف تابعة لحزب الله في هذه المناطق.

 

وجاءت هذه الأوامر بعد أسابيع قليلة من دخول الهدنة بين إسرائيل وحزب الله حيز التنفيذ في 17 أبريل، لكنها أظهرت أن الهدنة لم توقف العمليات الإسرائيلية، بل فتحت مرحلة جديدة من الإنذارات الواسعة التي تستهدف بلدات كاملة وتدفع المدنيين إلى النزوح تحت تهديد القصف.

 

وبحسب تغطيات إعلامية دولية، فإن بعض القرى المشمولة بالإنذار تقع في محافظة النبطية، على بعد كيلومترات شمال نهر الليطاني، وهو ما يعني أن إسرائيل توسع عمليًا نطاق الضغط خارج ما تسميه المنطقة الأمنية، وتفرض على السكان منطق الإخلاء قبل أي تحقق مستقل من طبيعة الأهداف.

 

كما نقلت أسوشيتد برس عن المتحدثة باسم جيش الاحتلال إيلا واوية أن سلاح الجو الإسرائيلي نفذ نحو 50 غارة خلال 24 ساعة، قالت إنها استهدفت بنى وعناصر تابعة لحزب الله، بينما أعلنت مصادر لبنانية مقتل 7 أشخاص على الأقل في غارات السبت بجنوب لبنان.

 

وفي السياق نفسه، هدمت قوات الاحتلال أجزاء من دير كاثوليكي في بلدة يارون الحدودية، وهو دير كان يضم مدرسة وعيادة انتقلت إليه خلال النزاع، بينما رفضت الكنيسة الكاثوليكية في لبنان تبريرات الجيش الإسرائيلي بشأن استخدام المكان لأغراض عسكرية، ونددت باستهداف دور العبادة.

 

قرى الحافة بين القصف ومنع العودة

 

قال الكاتب والمحلل السياسي اللبناني محمد سعيد الرز إن إسرائيل تستهدف ما يمكن تسميته بقرى الحافة، وهي القرى الملاصقة للحدود، قبل أن توسع الضغط إلى مناطق جنوبية أخرى، ويرى أن هدم المنازل والمنشآت وقطع شروط الحياة المدنية يهدف إلى منع عودة السكان.

 

وأوضح الرز أن جوهر الهجمات يقوم على احتلال جزء من جنوب لبنان، على الأقل حتى نهر الليطاني، بعمق يقارب 15 كيلومترًا من الحدود، ثم تحويل هذه المنطقة إلى مساحة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية أو منطقة عازلة تفرضها القوة لا الاتفاقات السياسية.

 

وتتطابق قراءة الرز مع توسع أوامر الإخلاء خلال الأيام الماضية، إذ أمر جيش الاحتلال في 28 أبريل سكان 16 قرية جنوب الليطاني بإخلاء منازلهم والتوجه شمالًا، ثم وسع الإنذارات في اليوم نفسه إلى عشرات البلدات، قبل أن تتكرر الغارات والتحذيرات في 29 أبريل.

 

وعلى هذا الأساس، لا تستهدف إسرائيل مواقع عسكرية فقط، وفق الرز، بل تعمل على تدمير ما يتصل بالحياة المدنية العادية في القرى الجنوبية، من منازل وأراض مزروعة وأشجار ومنشآت، بما يجعل العودة صعبة أو مكلفة أو شبه مستحيلة على العائلات النازحة.

 

وتشير أسوشيتد برس إلى أن تحذيرات الإخلاء الإسرائيلية تصل عبر رسائل واتصالات وخرائط على وسائل التواصل، وأن بعضها يشمل مناطق واسعة أو قرى كاملة، وهو نمط يخلق فوضى جماعية لأن المدنيين لا يعرفون بدقة متى يبدأ القصف أو أين ينتهي نطاق الخطر.

 

جنوب لبنان يدفع ثمن منطقة عازلة بالقوة

 

فر أكثر من مليون شخص في ذروة القتال، وما زال أكثر من 115 ألفًا في مراكز إيواء جماعية وفق الأمم المتحدة، وهي أرقام تكشف أن الإخلاء لم يعد إجراء مؤقتًا، بل صار أداة ضغط مستمرة على المجتمع الجنوبي، وعلى الدولة اللبنانية التي تبدو عاجزة أمام فرض الوقائع بالقوة.

 

وتزيد خطورة المشهد لأن أوامر الإخلاء لا تتزامن فقط مع قصف مواقع محددة، بل تأتي ضمن سلسلة إنذارات تكررت بعد الهدنة، حيث رصدت أسوشيتد برس عشرات التنبيهات الإسرائيلية منذ تجدد الحرب، بينها إنذارات غطت أكثر من 50 بلدة في الجنوب بعد 17 أبريل.

 

وفي هذا المناخ، تستخدم إسرائيل لغة السلامة المدنية لتبرير تهجير جماعي عملي، لأن مطالبة سكان قرية كاملة بالابتعاد 1000 متر إلى أراض مفتوحة لا توفر حماية حقيقية لهم، بل تجعل وجودهم في بيوتهم جريمة محتملة، وتحوّل القرى إلى مناطق مرشحة للتدمير.

 

كما يضع استهداف دير يارون بعدًا إضافيًا للانتهاكات، لأن هدم أجزاء من منشأة دينية ومدنية يرسل رسالة قاسية إلى السكان بأن القصف لا يستثني أماكن العبادة أو التعليم أو العيادات، وأن الاحتلال يتعامل مع كل بنية قائمة في القرى الحدودية كهدف قابل للإزالة.

 

ومن هنا تبدو سياسة إسرائيل في جنوب لبنان محاولة لإعادة رسم الخريطة السكانية قبل أي تفاوض سياسي، فكل منزل يهدم، وكل أرض تقطع عنها شروط الزراعة، وكل قرية تغادرها عائلاتها تحت الإنذار، يتحول إلى ورقة ضغط تستخدمها تل أبيب لرفع كلفة أي تسوية لاحقة.

 

وفي النهاية، لا تمثل أوامر إخلاء 11 قرية جنوبية مجرد إجراء عسكري جديد، بل تكشف مسارًا واضحًا لتوسيع التهجير وتحويل قرى الحافة إلى حزام منزوع من الحياة، بينما تستغل إسرائيل هشاشة الهدنة وصمت القوى الكبرى لتفرض منطقة عازلة بالقصف والهدم والإنذارات المتلاحقة.