حذرت طهران، عبر مقر خاتم الأنبياء الإيراني، القوات الأجنبية في مضيق هرمز من الاقتراب دون تنسيق مسبق، مؤكدة يوم الإثنين أن أي قوة أجنبية خصوصا الجيش الأمريكي ستتعرض للهجوم، في تصعيد يهدد السفن التجارية وناقلات النفط ويضع الملاحة العالمية أمام اختبار مباشر.

 

يربط هذا التحذير بين حرب بدأت في 28 فبراير وبين أزمة ملاحة تضغط على شعوب المنطقة وأسواق الطاقة، لأن واشنطن ودولة الاحتلال دفعتا الصراع إلى ممر بحري تعبره مصالح دول لا تملك قرار الحرب، بينما يدفع المدنيون والبحارة والمستهلكون كلفة المغامرة العسكرية.

 

إيران تفرض التنسيق وواشنطن تقدم «مشروع الحرية» كغطاء للتدخل

 

بداية أعلن مقر خاتم الأنبياء أن قواته تشرف على أمن مضيق هرمز، وأن عبور السفن تحت أي ظرف يجب أن ينسق مع طهران، ثم دعا السفن التجارية وناقلات النفط إلى الامتناع عن العبور دون تنسيق مسبق بحجة الحفاظ على أمنها ومنع تعرضها للخطر.

 

بعد ذلك ربط البيان الإيراني أي تحرك أمريكي مباشر بزعزعة الوضع القائم، وقال إن أي عمل عدواني من جانب واشنطن سيعرض أمن السفن للخطر، وهو تحذير يضع الولايات المتحدة أمام معادلة صعبة بين إعلان حماية الملاحة وبين احتمال فتح مواجهة بحرية أوسع.

 

في المقابل أعلنت القيادة المركزية الأمريكية دعم عملية أطلق عليها ترامب اسم «مشروع الحرية»، وقالت إن الخطة تشمل 15 ألف جندي وأكثر من 100 طائرة ومنصات غير مأهولة ومدمرات صواريخ موجهة، بهدف ضمان خروج السفن العالقة من المضيق.

 

غير أن ترامب حاول تقديم العملية بوصفها مبادرة إنسانية لمساعدة سفن دول محايدة لا علاقة لها بأزمة الشرق الأوسط، ثم قال إن واشنطن ستوجه السفن وتخرجها بأمان، بينما تجاهل أن التصعيد الأمريكي والإسرائيلي هو الذي نقل الأزمة من التفاوض إلى حافة الصدام البحري.

 

وفي هذا السياق قال الباحث الأمريكي الإيراني تريتا بارسي إن إغلاق هرمز ظل لفترة إغلاقا افتراضيا بفعل الخوف والتهديد لا بفعل إغراق واسع للسفن، محذرا من أن انتقال الأطراف إلى إطلاق النار سيغير طبيعة الأزمة ويحول التهديد إلى أزمة عالمية مباشرة.

 

الهدنة الباكستانية تفشل أمام منطق الحصار والرد الإيراني

 

لاحقا جاءت هذه التطورات بعد حرب أمريكية إسرائيلية على إيران بدأت في 28 فبراير، ثم ردت طهران بهجمات على الأراضي المحتلة وعلى ما وصفته بمواقع ومصالح أمريكية في المنطقة، قبل إعلان هدنة مؤقتة بين واشنطن وطهران في 8 أبريل بوساطة باكستانية.

 

وعلى هذا المسار أعلنت طهران أنها تسلمت عبر الوسيط الباكستاني رد الإدارة الأمريكية على مقترح تسوية من 14 بندا لإنهاء الحرب، لكن واشنطن أطلقت في الوقت نفسه عملية عسكرية جديدة في هرمز، ما جعل الوساطة تعمل تحت ضغط الأساطيل والتهديدات.

 

كذلك نقل موقع أكسيوس عن مسؤولين أن البحرية الأمريكية ستكون قريبة من السفن العابرة من دون مرافقة مباشرة، وأنها ستزود السفن بمعلومات عن ممرات آمنة غير مهددة بالألغام الإيرانية، وهو توصيف يمنح واشنطن دور المرشد العسكري داخل ممر ترفض طهران إخضاعه لها.

 

ومن زاوية تفاوضية قال علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، إن استمرار واشنطن وطهران في المطالب القصوى يجعل الحرب مرشحة للتوسع، لأن كل طرف يعتقد أنه يستطيع إجبار الطرف الآخر على التراجع عبر الضغط الميداني لا عبر تسوية سياسية واضحة.

 

بالتوازي أعلن ترامب سابقا بدء إجراءات حصار بحري شامل لجميع السفن الداخلة والخارجة من مضيق هرمز، ثم ربط ذلك بفشل مفاوضات إسلام آباد حول الملف النووي، واتهم طهران بزرع الألغام في المياه الدولية وطلب رسوم مرور غير قانونية.

 

ثم كشف ترامب أن اجتماعا استمر نحو 20 ساعة في العاصمة الباكستانية ضم جي دي فانس وستيف ويتكوف وجاريد كوشنر عن الجانب الأمريكي، ومحمد باقر قاليباف وعباس عراقجي وعلي باقري عن الجانب الإيراني، لكنه قال إن إصرار طهران على برنامجها النووي أفشل الاتفاق.

 

قادة طهران يلوحون بأوراق القوة وكلفة التصعيد تتسع عالميا

 

في الداخل الإيراني قال محسن رضائي إن الولايات المتحدة ستفشل في أي حصار بحري كما فشلت في فتح مضيق هرمز، وأضاف أن القوات الإيرانية لن تسمح بحصار البلاد، وأن إيران ليست مكانا يمكن فرض الحصار عليه عبر منشورات أو خطط وصفها بالخيالية.

 

بالتزامن قالت وزارة الدفاع الإيرانية إن إدارة مضيق هرمز ستبقى بيد إيران والمنطقة، وأكدت أن العدو لم يتمكن من إسقاط النظام أو تفكيك البلاد أو السيطرة على المضيق، في خطاب يستثمر فشل الضربات الأمريكية والإسرائيلية في حسم الحرب سياسيا.

 

كما نقلت وسائل إعلام إيرانية عن قائد فيلق القدس إسماعيل قآاني قوله إن الجبهة الموحدة للمقاومة حاضرة في كامل المنطقة، وإن أمريكا والكيان الصهيوني سيغادران دون إنجاز، بينما قال قائد بحرية الجيش الإيراني إن قواته ترصد كل تحركات الجيش الأمريكي.

 

من جهة أخرى يرى أستاذ العلاقات الدولية فواز جرجس أن سيطرة إيران على مضيق هرمز تحولت إلى أداة ردع أكثر تأثيرا من برنامجها النووي، لأن تعطيل هذا الممر يضغط على الاقتصاد العالمي ويكشف حدود القوة الأمريكية عندما تتحول الحرب إلى كلفة يومية على الأسواق.

 

وبناء على ذلك لم تعد الأزمة محصورة في تصريحات ترامب أو بيانات الحرس الثوري، لأن كل سفينة عالقة وكل ناقلة نفط متوقفة وكل بحار ينتظر ممرا آمنا تعكس نتيجة مباشرة لحرب قررت واشنطن وتل أبيب توسيعها ثم قدمت التدخل الجديد كأنه خدمة إنسانية.

 

ختاما يفتح مضيق هرمز الآن سجل فشل سياسي وعسكري لا تستطيع واشنطن إخفاءه باسم «مشروع الحرية»، لأن حرية الملاحة لا تصنعها المدمرات عندما تقودها دولة مشاركة في الحرب، ولا تحميها طهران وحدها عندما يصبح التنسيق شرطا للمرور تحت تهديد السلاح.