كشف تقرير حديث صادر عن الاتحاد العربي للنقابات عن استمرار ما وصفه بـ«الفجوة الواسعة» بين الخطاب الرسمي حول الإصلاحات التشريعية وحقوق العمال في مصر، وبين الواقع العملي الذي تواجهه النقابات المستقلة على الأرض، مؤكدًا أن القيود الأمنية والإدارية والقضائية لا تزال تُقيد حرية التنظيم النقابي رغم صدور قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025.
التقرير السنوي للاتحاد بشأن انتهاكات الحقوق والحريات النقابية في المنطقة العربية لعام 2025، والصادر في 5 مايو 2026، خصّص فصلًا كاملًا للحالة المصرية تحت عنوان «الإغراق القضائي لإضعاف النقابات»، معتبرًا أن الوعود المرتبطة بالاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان والحوار الوطني لم تُترجم إلى خطوات عملية تُحسن بيئة العمل النقابي أو تضمن حرية التنظيم للعاملين.
تعديلات غير كافية لحماية حقوق العمال
وأشار التقرير إلى أن السلطات تُقدم قانون العمل الجديد باعتباره خطوة نحو «عصرنة علاقات العمل» وتحقيق قدر أكبر من الأمان الوظيفي للعاملين، خاصة بعد تضمينه مواد تستهدف الحد من استخدام «استمارة 6» ونقل سلطة الفصل التعسفي من الإدارة المنفردة إلى القضاء العمالي، إلا أن التقرير أكد أن هذه التعديلات لا تزال – وفقًا لرؤية النقابات المستقلة – غير كافية لحماية الحق في الإضراب أو ضمان استقلال التنظيمات العمالية.
وأوضح أن العديد من النقابات المستقلة ترى أن القيود الإجرائية الواردة بالقانون الجديد تجعل ممارسة حق الإضراب شبه مستحيلة عمليًا، في ظل اشتراطات معقدة وإجراءات طويلة قد تُفرغ هذا الحق من مضمونه، بما يضع العمال أمام مخاطر الفصل أو الملاحقة حال اللجوء إلى الاحتجاجات العمالية.
ورصد التقرير استمرار ما وصفه بـ«التعنت الإداري» من جانب وزارة العمل تجاه تأسيس النقابات المستقلة أو تجديد أوراقها الرسمية، موضحًا أن عددًا من اللجان النقابية في قطاعات الخدمات والتعليم واجهت عراقيل تتعلق باستلام أوراق التأسيس أو اعتماد المستندات المطلوبة.
فتوى قانونية تعيق التعددية النقابية
وأشار التقرير بشكل خاص إلى الصعوبات التي واجهتها النقابة المستقلة للعاملين بالضرائب العقارية، إلى جانب نقابة المعلمين المستقلة، في تجديد أوراقهما الرسمية واعتمادها، الأمر الذي يترتب عليه – بحسب التقرير – حرمان أعضاء هذه النقابات من التمثيل القانوني في المفاوضات الجماعية والنزاعات العمالية.
كما أعاد التقرير تسليط الضوء على فتوى صادرة عن إدارة الفتوى بالإسكندرية التابعة لـمجلس الدولة في نوفمبر 2021، اعتبر أنها تمثل أحد أبرز العوائق القانونية أمام التعددية النقابية، إذ فسّرت قانون المنظمات النقابية رقم 213 لسنة 2017 بصورة تنتهي إلى رفض وجود أكثر من نقابة على المستوى ذاته، وهو ما تراه النقابات المستقلة غطاءً قانونيًا لتقييد حريتها في العمل.
وأكد التقرير أن أثر هذه الفتوى لا يزال ممتدًا حتى الآن، في ظل غياب أي إعلان رسمي عن التراجع عنها أو طلب إصدار تفسير قانوني جديد يضمن الاعتراف بالتعددية النقابية، رغم الانتقادات الحقوقية الواسعة التي أُثيرت حولها خلال السنوات الماضية.
وفي سياق متصل، تحدث التقرير عن تحركات لتعديل قانون المنظمات النقابية بما يسمح بتأجيل الانتخابات النقابية العمالية المقررة خلال عام 2026 لمدة لا تقل عن عام، إلى جانب مد الدورة النقابية إلى خمس سنوات بدلًا من أربع سنوات، مع استمرار المجالس الحالية في مواقعها.
تجاهل الجمعيات العمومية للنقابات
واعتبر التقرير أن هذه التعديلات تُطرح دون الرجوع إلى الجمعيات العمومية للنقابات أو أخذ إرادة القواعد العمالية في الاعتبار، لافتًا إلى أن المقترحات جاءت – وفق ما أورده – بطلب من الاتحاد العام لنقابات عمال مصر وبالتنسيق مع الحكومة ممثلة في وزارة العمل وعدد من أعضاء مجلس النواب.
وأبدى التقرير دهشته من اقتصار التعديلات المقترحة على مسألة تأجيل الانتخابات ومد الدورة النقابية فقط، دون فتح نقاش أوسع حول المواد المثيرة للجدل داخل قانون المنظمات النقابية أو الاستجابة للمطالب المتكررة بتعزيز الحريات النقابية وضمان استقلال التنظيمات العمالية.
وفي الجانب الميداني، استعرض التقرير قضية عمال شركة وبريات سمنود باعتبارها «النموذج الأبرز» للتعامل الأمني والقضائي مع الاحتجاجات العمالية ذات الطابع المطلبي، موضحًا أن عددًا من العمال والعاملات، بينهم قيادات نقابية نسائية، تعرضوا للاعتقال عقب مشاركتهم في إضراب للمطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور الذي أقرته الدولة.
وأضاف التقرير أن النيابة وجهت للمشاركين في الاحتجاج اتهامات من بينها «التحريض على الإضراب» و«نشر أخبار كاذبة»، بدلًا من التعامل مع الأزمة باعتبارها نزاعًا عماليًا يرتبط بالأجور والحقوق الاقتصادية، وهو ما اعتبره التقرير امتدادًا لنهج أمني في التعاطي مع التحركات العمالية.
كما رصد استمرار ملاحقة بعض القيادات النقابية والعمالية باتهامات فضفاضة مثل «الانتماء إلى جماعة محظورة» أو «نشر أخبار كاذبة» عقب تنظيم احتجاجات سلمية للمطالبة بتحسين الأجور أو مواجهة تداعيات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
ولفت التقرير إلى أن التهديد بالفصل أو الحبس تحت دعاوى «تعطيل الإنتاج» لا يزال يمثل أداة ضغط فعالة على العمال، خاصة داخل الشركات التي دخلت فيها استثمارات أجنبية أو صناديق سيادية خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يخلق – بحسب التقرير – بيئة عمل تُقيد أي تحرك جماعي للمطالبة بالحقوق الاقتصادية.
ووضع التقرير هذه التطورات ضمن سياق اقتصادي أوسع يشهد ارتفاعًا متواصلًا في الأسعار وتراجعًا في القوة الشرائية للأجور، معتبرًا أن تصاعد الاحتجاجات والتحركات العمالية غير الرسمية يعكس حالة من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية المتزايدة، في مقابل استمرار النظرة الأمنية تجاه هذه التحركات.
وفي خلاصة الفصل الخاص بمصر، شدد الاتحاد العربي للنقابات على أن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بنصوص القوانين، بل بطريقة تطبيقها واستخدام الأدوات الإدارية والأمنية والقضائية بما يحد من التعددية النقابية ويُبقي الحق في التنظيم والإضراب مرهونًا بالممارسة الفعلية على الأرض، لا بالنصوص الرسمية وحدها.

