كشفت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر عن ارتفاع معدل التضخم الشهري بنسبة 1.2% خلال أبريل الماضي مقارنة بشهر مارس، مع تسجيل زيادات ملموسة في أسعار الغذاء والطاقة والخدمات الأساسية، وهو ما يعكس استمرار الضغوط السعرية على المستهلكين في السوق المحلية رغم التصريحات الرسمية حول استقرار نسبي في المؤشرات الكلية للاقتصاد.

 

وفي الوقت الذي أظهرت فيه الأرقام الرسمية ارتفاعًا في التضخم السنوي إلى 13.4% خلال أبريل مقارنة بـ13.5% في مارس، ركز الخطاب الحكومي على هذا التراجع الطفيف دون التطرق إلى الزيادة الشهرية المباشرة، ما يعكس فجوة واضحة بين قراءة المؤشرات الكلية والواقع الفعلي لتغيرات الأسعار اليومية في السوق المصري.

 

ارتفاعات الغذاء والسلع الأساسية تزيد الضغط على الأسر المصرية

 

وفي هذا السياق أوضح الخبير الاقتصادي هاني جنينة أن بيانات التضخم الأخيرة تعكس انتقال الضغوط من السلع الاستهلاكية إلى المكونات الأساسية للمعيشة اليومية، خاصة الغذاء والطاقة، مشيرًا إلى أن استمرار ارتفاع الخضراوات بنسبة 5.1% والفاكهة 3.8% يعكس اختلالات في سلاسل الإمداد المحلية.

 

كما أظهرت بيانات الإحصاء ارتفاع أسعار الحبوب والخبز بنسبة 1.4% والأسماك 1.8% والزيوت 1.2%، وهو ما يشير إلى ضغط مباشر على مكونات السلة الغذائية الأساسية، حيث تتأثر الأسر محدودة الدخل بشكل أكبر بهذه الزيادات المتراكمة التي تتكرر شهريًا دون استقرار واضح في الأسعار.

 

وبالتوازي مع ذلك سجلت أسعار اللحوم والدواجن انخفاضًا بنسبة 6.4%، غير أن هذا التراجع لم ينعكس بشكل كاف على مستوى الإنفاق الكلي للأسر، نتيجة ارتفاع باقي المكونات الغذائية والخدمية، ما يجعل تأثير الانخفاض الجزئي محدودًا في تقليل العبء المعيشي العام.

 

تضخم الخدمات والطاقة يكشف عمق الأزمة المعيشية

 

ومن ناحية أخرى أكدت الباحثة الاقتصادية رشا عبد الرحمن أن ارتفاع أسعار الإيجار الفعلي للمسكن بنسبة 5.4% والكهرباء والغاز بنسبة 2.5% يعكس اتساع دائرة التضخم لتشمل الخدمات الأساسية، ما يرفع التكلفة الشهرية للحياة بشكل مباشر على المواطنين في المدن والمناطق الحضرية.

 

كما أظهرت البيانات ارتفاع النقل والمواصلات بنسبة 24.5% على أساس سنوي، مع زيادة النقل الخاص بنسبة 0.6% شهريًا، وهو ما يعكس استمرار الضغط على قطاع الحركة والتنقل، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الوقود وتأثيره المباشر على تكلفة التشغيل في مختلف القطاعات الخدمية.

 

وبينما ترتفع تكاليف الصحة والتعليم بنسب بلغت 10.1% و20% على التوالي، يتضح أن التضخم لم يعد مقتصرًا على الغذاء فقط، بل امتد إلى الخدمات الأساسية التي تمس الاستهلاك طويل الأجل للأسر، ما يعزز من اتساع الفجوة بين الدخول والأسعار.

 

تجاهل رسمي للمعدل الشهري وتركيز على المؤشرات السنوية

 

وبحسب الصحفي الاقتصادي ممدوح الولي فإن التركيز الحكومي على المعدل السنوي للتضخم دون إبراز التغير الشهري يعكس محاولة لتخفيف حدة الصورة أمام الرأي العام، رغم أن المعدل الشهري يكشف بشكل أدق عن اتجاهات الأسعار قصيرة المدى وتأثيرها المباشر على المواطنين.

 

كما تشير البيانات إلى أن الجهاز الحكومي ركز في خطاب رئيس الوزراء على وصف التراجع السنوي بأنه رقم جيد، دون التطرق إلى الزيادة الشهرية البالغة 1.2%، وهو ما يطرح تساؤلات حول آلية تقديم المؤشرات الاقتصادية في الخطاب الرسمي ومدى شمولها للواقع الفعلي للأسواق.

 

وبينما تتباين المؤشرات بين انخفاض نسبي في بعض البنود وارتفاع حاد في أخرى، يظل التضخم في مصر حالة مركبة لا يمكن اختزالها في رقم سنوي واحد، خاصة مع استمرار الضغوط على الغذاء والطاقة والخدمات التي تمثل الجزء الأكبر من إنفاق الأسر اليومية.

 

فجوة بين السياسات النقدية والمالية وضبط الأسعار

 

وفي ضوء هذه المؤشرات يرى الخبير الاقتصادي محمود وهبة أن استمرار الارتفاعات الشهرية حتى وإن كانت محدودة النسبة يشير إلى غياب استقرار سعري حقيقي، موضحًا أن الاقتصاد يواجه حالة من إعادة تسعير مستمرة تتأثر بالعوامل الخارجية والداخلية في آن واحد.

 

كما أن تباين حركة الأسعار بين الانخفاض في بعض السلع وارتفاعها في أخرى يعكس حالة من عدم التوازن في السوق، حيث لا تنعكس السياسات النقدية والمالية بشكل متكامل على ضبط الأسعار، ما يترك المواطن في مواجهة مباشرة مع تقلبات السوق اليومية دون حماية كافية.

 

وبذلك تتضح ملامح أزمة تضخم ممتدة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مؤشرات عابرة، بل كحالة اقتصادية مستمرة تتطلب مراجعة أعمق لسياسات التسعير والدعم وسلاسل الإمداد، خاصة في ظل اتساع الفجوة بين الأرقام الرسمية والتجربة المعيشية الفعلية للمواطنين.