أعلنت القوات المسلحة الملكية المغربية، عبر بيان رسمي نشرته على حسابها بموقع “فيسبوك”، العثور على جثمان الجندية الأمريكية الثانية التي فُقدت بمنطقة “كاب درعة” جنوب المغرب خلال مشاركتها في تمرين “الأسد الإفريقي” العسكري المشترك، وذلك بعد أيام من انتشال جثمان الجندي الأمريكي الأول في المنطقة نفسها.
وأكدت القوات المسلحة الملكية أن عمليات البحث المكثفة التي جرت بتنسيق مشترك مع القوات الأمريكية أسفرت عن تحديد موقع الجثمان وانتشاله يوم 12 مايو 2026، بعد جهود استمرت عدة أيام وشاركت فيها فرق برية وبحرية وجوية، وسط ظروف ميدانية معقدة فرضتها الطبيعة الساحلية الصخرية للمنطقة الواقعة جنوب المملكة.
ويعيد الحادث إلى الواجهة حجم المخاطر المرتبطة بالمناورات العسكرية واسعة النطاق، خاصة تلك التي تُنفذ في مناطق وعرة أو ساحلية، في وقت تُعد فيه مناورات “الأسد الإفريقي” أكبر تدريبات عسكرية مشتركة تنظم سنويًا في القارة الإفريقية بمشاركة قوات من الولايات المتحدة والمغرب وعدد من الدول الحليفة.
تفاصيل العثور على الجثمان الثاني
وأوضح بيان القوات المسلحة الملكية أن فرق البحث تمكنت من تحديد موقع الجثمان في حدود الساعة 16:40 تقريبًا، قبل أن تبدأ عملية الانتشال التي انتهت عند الساعة 18:07 مساءً، بواسطة عناصر من القوات المسلحة الملكية المغربية والوقاية المدنية.
وأشار البيان إلى أن الجثمان عُثر عليه فوق منحدر صخري بمنطقة “كاب درعة”، وعلى مسافة تقدر بنحو 500 متر فقط من موقع الحادث الأصلي الذي شهد فقدان العسكريين الأمريكيين خلال مشاركتهما في المناورات العسكرية المشتركة.
وأكدت القوات المسلحة الملكية أن عملية البحث لم تكن سهلة، بسبب الطبيعة الجغرافية المعقدة للمنطقة، حيث تنتشر المنحدرات الساحلية الحادة والتضاريس الصخرية، وهو ما فرض تنسيقًا واسعًا بين الوحدات البرية والبحرية والجوية المشاركة في عملية التمشيط.
كما استعانت فرق البحث بوسائل مراقبة واستطلاع متعددة لتوسيع نطاق البحث، خاصة بعد استمرار فقدان الاتصال بالجندية الأمريكية لعدة أيام، ما دفع السلطات العسكرية المغربية والأمريكية إلى رفع مستوى التنسيق الميداني للوصول إلى موقعها.
الكشف عن هوية الجندية الأمريكية
أكد البيان الرسمي أن المعطيات الأولية للتحقيق تشير إلى أن الجثمان يعود إلى الجندية الأمريكية “ماريا سيمون كولينغتون”، التي كانت ضمن القوات الأمريكية المشاركة في تدريبات “الأسد الإفريقي” العسكرية الجارية بالمغرب خلال شهر ماي الحالي.
وأوضح المصدر نفسه أن الجثمان نُقل مباشرة بعد انتشاله إلى مستودع الأموات بالمستشفى العسكري مولاي الحسن بمدينة كلميم، وفق الإجراءات العسكرية والطبية المتبعة في مثل هذه الحوادث، تمهيدًا لاستكمال الترتيبات الرسمية الخاصة بنقل الجثمان إلى الولايات المتحدة.
كما نظمت السلطات العسكرية المغربية مراسم رسمية بالمطار العسكري في كلميم لتكريم العسكريين الأمريكيين اللذين فقدا خلال التمرين، حيث جرى رفع الجثمانين وسط حضور عسكري رسمي قبل نقلهما ليل 12 ماي 2026 على متن طائرة عسكرية أمريكية.
وأثار الحادث اهتمامًا واسعًا داخل الأوساط العسكرية والإعلامية، خاصة مع حساسية المناورات العسكرية المشتركة بين المغرب والولايات المتحدة، والتي تُعد أحد أبرز أوجه التعاون الأمني والعسكري بين البلدين خلال السنوات الأخيرة.
العثور على الجندي الأول قبل أيام
وكانت القوات المسلحة الملكية المغربية قد أعلنت نهاية الأسبوع الماضي العثور على الجثمان الأول لأحد العسكريين الأمريكيين المفقودين في منطقة “كاب درعة”، بعد عمليات بحث استمرت عدة أيام بمشاركة فرق إنقاذ مغربية وأمريكية.
وأكدت السلطات العسكرية حينها أن الجثمان الأول يعود إلى الملازم أول “كيندريك لامونت كي جونيور”، الذي كان يشارك بدوره في مناورات “الأسد الإفريقي”، قبل أن يُفقد الاتصال به في المنطقة الساحلية نفسها التي شهدت الحادث.
وأوضحت القوات المسلحة الملكية أن عمليات البحث الأولى اعتمدت على تدخل فرق برية وبحرية وجوية، إلى جانب استخدام وسائل استطلاع ومراقبة لرصد أي تحركات أو مؤشرات قد تساعد في تحديد مكان العسكريين المفقودين.
ومع العثور على الجثمانين، تتجه الأنظار الآن نحو التحقيقات العسكرية الجارية لمعرفة أسباب الحادث والظروف التي أدت إلى فقدان العسكريين الأمريكيين أثناء تنفيذ المهام المرتبطة بالمناورات العسكرية المشتركة.
مناورات “الأسد الإفريقي” وأهميتها العسكرية
وتُعد مناورات “الأسد الإفريقي” من أكبر التدريبات العسكرية متعددة الجنسيات التي تُقام سنويًا في إفريقيا، حيث تنظمها القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا بالتعاون مع القوات المسلحة الملكية المغربية.
وتشارك في المناورات قوات من الولايات المتحدة والمغرب إلى جانب دول إفريقية وأوروبية أخرى، وتشمل التدريبات عمليات برية وبحرية وجوية، إضافة إلى تدريبات على مكافحة الإرهاب والاستجابة للكوارث وتأمين الحدود.
كما تتضمن المناورات تدريبات ميدانية معقدة تشمل الإنزال البحري والجوي والتحرك في المناطق الصحراوية والساحلية، وهو ما يجعل بعض المهام العسكرية محفوفة بالمخاطر، خاصة في المناطق ذات الطبيعة الجغرافية الصعبة.
ويعتبر المغرب أحد أبرز الحلفاء العسكريين للولايات المتحدة في المنطقة، حيث تستضيف المملكة بشكل منتظم تدريبات مشتركة مع القوات الأمريكية، إلى جانب تعاون متزايد في ملفات الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب.
وخلال السنوات الماضية، توسعت مناورات “الأسد الإفريقي” من حيث عدد القوات المشاركة ونوعية التدريبات، لتتحول إلى منصة عسكرية إقليمية تهدف إلى تعزيز التنسيق العملياتي بين الجيوش المشاركة ورفع مستوى الجاهزية العسكرية المشتركة.
منطقة “كاب درعة” ومخاطر التضاريس الساحلية
تقع منطقة “كاب درعة” جنوب المغرب بالقرب من السواحل الأطلسية، وتتميز بطبيعة جغرافية صعبة تضم مرتفعات ومنحدرات صخرية حادة، وهو ما يجعل الحركة الميدانية فيها أكثر تعقيدًا، خصوصًا أثناء التدريبات العسكرية.
وتشهد المنطقة عادة نشاطًا بحريًا وعسكريًا خلال فترات المناورات المشتركة، بسبب قربها من عدد من المسارات التدريبية التي تستخدمها القوات المشاركة في تمارين الإنزال والتحرك الساحلي.
ويرى متابعون للشؤون العسكرية أن التدريبات في المناطق الساحلية والصخرية تتطلب إجراءات أمان إضافية، خاصة مع تغير الأحوال الجوية وصعوبة بعض المسالك التي قد تشكل خطرًا على القوات المشاركة في العمليات الميدانية.
كما يسلط الحادث الضوء على حجم التحديات التي تواجه فرق الإنقاذ العسكرية أثناء تنفيذ عمليات البحث في المناطق الوعرة، حيث تتداخل العوامل الجغرافية والمناخية مع طبيعة العمليات العسكرية الجارية.
تحقيقات مستمرة بعد انتهاء عمليات البحث
رغم انتهاء عمليات البحث الرسمية بالعثور على الجثمان الثاني، فإن التحقيقات العسكرية لا تزال متواصلة لتحديد الأسباب الدقيقة للحادث، والكشف عن الملابسات المرتبطة بفقدان العسكريين الأمريكيين أثناء المناورات.
وتعمل الجهات العسكرية المغربية والأمريكية على مراجعة مسار التحركات الميدانية والظروف التي سبقت فقدان الاتصال بالعسكريين، إلى جانب فحص طبيعة المهام التي كانا ينفذانها في منطقة “كاب درعة”.
كما يُتوقع أن تشمل التحقيقات تقييم إجراءات السلامة والتأمين المعتمدة خلال التدريبات العسكرية، خاصة في المناطق الساحلية المعقدة التي تشهد تدريبات مشتركة واسعة النطاق.
ويأتي ذلك في وقت تحرص فيه الرباط وواشنطن على استمرار التعاون العسكري المشترك، باعتباره أحد المحاور الأساسية للشراكة الاستراتيجية بين البلدين، رغم الحادث الذي ألقى بظلاله على نسخة هذا العام من مناورات “الأسد الإفريقي”.

