رفع الاحتلال الإسرائيلي مستوى التأهب العسكري البحري إلى الدرجة القصوى مع انطلاق “أسطول الصمود العالمي” من السواحل التركية باتجاه قطاع غزة، في واحدة من أكبر المحاولات الدولية لكسر الحصار البحري المفروض على القطاع منذ سنوات، وسط توقعات بمواجهة مباشرة بين البحرية الإسرائيلية والسفن المشاركة التي تحمل مئات النشطاء والمتضامنين الدوليين.
وكشفت إذاعة جيش الاحتلال أن سلاح البحرية يستعد للتعامل مع الأسطول الذي يضم عشرات السفن والقوارب، في وقت تتعامل فيه تل أبيب مع التحرك باعتباره تحديًا سياسيًا وأمنيًا واسع النطاق، خاصة مع اتساع حجم المشاركة الدولية والاهتمام الإعلامي العالمي بالمبادرة.
وبحسب التقديرات الإسرائيلية، فإن الأسطول الحالي يُعد الأكبر منذ سنوات، إذ يضم 58 سفينة وقاربًا انطلقت غالبيتها من ميناء مرمريس التركي باتجاه البحر المتوسط، في مهمة إنسانية تهدف إلى إيصال المساعدات وتسليط الضوء على الكارثة الإنسانية التي يعيشها سكان قطاع غزة.
خطط إسرائيلية لاعتراض السفن
وفي تصعيد واضح، نقلت القناة الـ12 الإسرائيلية عن مصدر أمني قوله إن وحدات “الكوماندوز البحري” الإسرائيلية وضعت خططًا للسيطرة على السفن قبل وصولها إلى المياه القريبة من قطاع غزة، مشيرًا إلى أن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تتوقع “سيناريوهات أكثر تعقيدًا وعنفًا” مقارنة بمحاولات كسر الحصار السابقة.
وتخشى إسرائيل من أن يؤدي وصول الأسطول إلى غزة إلى فتح باب ضغوط سياسية ودبلوماسية جديدة عليها، خاصة في ظل تصاعد الانتقادات الدولية للحصار المستمر والحرب المتواصلة على القطاع.
ويأتي هذا الاستنفار العسكري في وقت تتصاعد فيه التحذيرات الحقوقية من أي هجوم محتمل على السفن المدنية، وسط دعوات دولية لإسرائيل بعدم اعتراض الرحلة الإنسانية بالقوة.
مئات المتضامنين من عشرات الدول
وأبحرت 54 سفينة بالفعل ضمن الأسطول، بينما بقيت عدة سفن أخرى في الميناء بشكل مؤقت بسبب أعطال فنية، من بينها السفينة “فاميليا”، التي ينتظر أن تلتحق بالرحلة لاحقًا بعد انتهاء أعمال الصيانة.
ويشارك في الرحلة أكثر من 500 ناشط ومتضامن دولي قدموا من عشرات الدول، بينها مصر وليبيا وتركيا ودول أوروبية وأمريكية لاتينية، في مشهد وصفه المشاركون بأنه “تحرك شعبي عالمي ضد الحصار والتجويع”.
وقال مراسلون ميدانيون إن أجواء الحماس والتحدي سيطرت على المشاركين قبيل الإبحار، رغم إدراكهم للمخاطر المرتبطة باحتمال اعتراض البحرية الإسرائيلية للسفن في عرض البحر.
وشهد ميناء مرمريس التركي تحركات مكثفة قبل انطلاق الرحلة، حيث اصطفت السفن المشاركة وسط حضور إعلامي واسع وتغطية مباشرة من وسائل إعلام دولية وعربية.
طواقم قانونية وطبية وإعلامية
ويضم الأسطول فرقًا قانونية وحقوقية وطبية وإعلامية، في محاولة لتوثيق أي انتهاكات محتملة قد تتعرض لها السفن أو المشاركون.
ويشارك على متن السفن:
محامون وحقوقيون لرصد وتوثيق أي خروقات قانونية.
أطباء ومسعفون مزودون بمعدات إسعاف أولية.
صحفيون وناشطون إعلاميون لتغطية الرحلة ونقل مجرياتها للعالم.
متضامنون دوليون من منظمات إنسانية ومدنية.
وأكد منظمو الرحلة أن جميع السفن تحمل طابعًا مدنيًا وإنسانيًا، نافين وجود أي أهداف عسكرية أو سياسية مباشرة، ومشددين على أن المهمة تركز على كسر العزلة المفروضة على سكان غزة وإيصال رسالة تضامن دولية.
تحذيرات من تكرار سيناريو “مافي مرمرة”
وأعاد انطلاق الأسطول إلى الأذهان حادثة “أسطول الحرية” عام 2010، عندما هاجمت القوات الإسرائيلية سفينة “مافي مرمرة” التركية أثناء توجهها إلى غزة، ما أدى إلى مقتل 10 متضامنين أتراك وإصابة العشرات، في حادثة أثارت أزمة سياسية حادة بين أنقرة وتل أبيب آنذاك.
ويخشى مراقبون من تكرار سيناريو مشابه، خصوصًا بعد إعلان منظمي “أسطول الصمود” تعرض عدد من المشاركين للاعتقال قبل انطلاق الرحلة، إضافة إلى حديثهم عن اعتراضات وتهديدات إسرائيلية متواصلة.
وقالت المحامية البرازيلية نتاليا ماريا، المتحدثة باسم الفريق القانوني للأسطول، إن الحصار المفروض على غزة “غير قانوني بموجب القانون الدولي”، مؤكدة أن أي عملية اعتراض أو احتجاز للسفن ستُواجه بإجراءات وتحركات قانونية دولية.
اتهامات للإحتلال بفرض “إبادة بطيئة”
من جانبه، قال عضو مجلس إدارة الأسطول سعيد أبو كشك إن إسرائيل تمارس “إبادة بطيئة” بحق سكان قطاع غزة من خلال الحصار والتجويع ومنع دخول المساعدات، معتبرًا أن المبادرة البحرية الحالية تمثل محاولة إنسانية لكسر الصمت الدولي تجاه ما يحدث في القطاع.
وأضاف أن المشاركين في الأسطول جاؤوا من مختلف أنحاء العالم “رفضًا لاستمرار الحصار والانتهاكات بحق المدنيين الفلسطينيين”.
ويأتي التحرك البحري الجديد في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وتفاقم الأزمة الإنسانية، مع تزايد التحذيرات الدولية من المجاعة والانهيار الكامل للقطاع الصحي والخدمات الأساسية داخل غزة.
سجل طويل من محاولات كسر الحصار
ومنذ فرض الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2007، شهدت المنطقة عدة محاولات بحرية لكسره عبر إرسال سفن مساعدات ومتضامنين دوليين، إلا أن معظمها تعرض للاعتراض أو المنع من قبل البحرية الإسرائيلية.
وكان الجيش الإسرائيلي قد نفذ في 29 أبريل الماضي عملية بحرية ضد سفن مرتبطة بـ”أسطول الصمود” قرب جزيرة كريت في المياه الدولية، حيث احتجز عشرات النشطاء وسيطر على عدد من القوارب، ما أثار إدانات حقوقية وانتقادات واسعة.

