أفادت وكالة «فارس» الإيرانية، اليوم الإثنين، بإعادة انتخاب محمد باقر قاليباف رئيسًا للبرلمان الإيراني، في تطور سياسي داخلي يتزامن مع تصاعد الحديث عن اتفاق سلام مرتقب بين الولايات المتحدة وإيران، بعد شهور من الحرب والتوتر العسكري وإغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية.

 

وتأتي إعادة انتخاب قاليباف في لحظة حساسة داخل إيران؛ حيث تتحرك السلطة بين تثبيت مواقعها السياسية في الداخل والتعامل مع ضغوط خارجية متزايدة، بينما يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن اتفاقًا مع طهران أصبح قريبًا من التوقيع، في مسار قد يعيد ترتيب المشهد الإقليمي بعد حرب أنهكت المنطقة ورفعت كلفة الطاقة والتجارة.

 

 

إعادة انتخاب قاليباف ورسالة تثبيت الداخل الإيراني

 

حافظ محمد باقر قاليباف على موقعه رئيسًا للبرلمان الإيراني بعد إعادة انتخابه في جلسة برلمانية جديدة، ليبقى واحدًا من أبرز الوجوه المحافظة داخل النظام السياسي الإيراني، في وقت تواجه فيه طهران ضغوطًا متزامنة من الحرب والعقوبات والتفاوض غير المباشر مع واشنطن.

 

ويحمل استمرار قاليباف في رئاسة البرلمان دلالة سياسية واضحة؛ إذ يفضل النظام الإيراني تثبيت مؤسساته في لحظة تفاوضية معقدة، بدلاً من فتح باب تغييرات داخلية واسعة قد تمنح خصومه إشارة ضعف، خصوصًا مع اقتراب الحديث عن اتفاق يتصل بالحرب ومضيق هرمز والملف النووي.

 

كما يمنح البرلمان الإيراني غطاءً سياسيًا لأي نقاشات داخلية محتملة بشأن الاتفاق المرتقب؛ لأن أي تفاهم مع واشنطن سيحتاج إلى خطاب داخلي يبرر التنازلات أو يشرح المكالمات والمكاسب، خصوصًا أمام تيارات محافظة ترفض الظهور بموقع الطرف الذي يفاوض تحت الضغط العسكري والاقتصادي.

 

وفي هذا السياق، تبدو عودة قاليباف إلى رئاسة البرلمان جزءًا من إدارة إيران للحظة سياسية دقيقة، حيث تريد طهران الحفاظ على صورة التماسك الداخلي، بينما تتعامل مع اتصالات وضغوط إقليمية ودولية تستهدف إنهاء الحرب وإعادة فتح أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

 

ولذلك، لا يمكن فصل انتخاب قاليباف عن تطورات الملف الخارجي؛ لأن السلطة الإيرانية تتحرك في الداخل والخارج في وقت واحد، فهي تثبت قيادة البرلمان من ناحية، وتترك الباب مفتوحًا أمام مسار تفاوضي قد يخفف الضغوط الاقتصادية والعسكرية من ناحية أخرى.

 

 

ترامب يتحدث عن اتفاق سلام وتفاهم ينتظر التوقيع

 

وفي وقت سابق، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق سلام مع إيران إلى حد كبير، بعد سلسلة من الاتصالات والمباحثات التي أجراها مع قادة في الخليج ومصر وتركيا وإسرائيل، في خطوة قال إنها قد تمهد لإنهاء الحرب التي اندلعت خلال فبراير الماضي.

 

وقال ترامب، عبر منشور على منصته للتواصل الاجتماعي، إن الجوانب والتفاصيل النهائية الخاصة بمذكرة التفاهم ما تزال قيد المناقشة، مؤكدًا أن الإعلان الرسمي عن الاتفاق سيتم خلال الفترة المقبلة، ومشيرًا إلى أن إعادة فتح مضيق هرمز ستكون جزءًا أساسيًا من الاتفاق المرتقب.

 

وأضاف الرئيس الأميركي أن الاتفاق جرى التفاوض عليه إلى حد كبير، وأنه ينتظر التوقيع النهائي بين الولايات المتحدة وإيران وعدد من الدول الأخرى، في إشارة إلى أن صيغة التفاهم لا تقتصر على واشنطن وطهران فقط، بل تشمل أطرافًا إقليمية معنية بوقف الحرب واستقرار الملاحة.

 

وتكشف تصريحات ترامب أن واشنطن تحاول تقديم الاتفاق بوصفه مسارًا لإنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز، لكنها في الوقت نفسه لا تعلن التفاصيل النهائية، وهو ما يبقي مساحة كبيرة من الغموض حول التزامات كل طرف، وحول طبيعة الضمانات المطلوبة لمنع تجدد التصعيد.

 

كما تعكس الاتصالات التي أجراها ترامب مع قادة إقليميين إدراكًا أميركيًا بأن الحرب لم تعد أزمة ثنائية فقط؛ لأن إغلاق مضيق هرمز وتوسع الهجمات والردود العسكرية أثرا في أمن الطاقة وحركة التجارة، وجعلا دول المنطقة طرفًا مباشرًا في أي تفاهم سياسي أو أمني.

 

ومن هنا، يرتبط الاتفاق المرتقب بثلاثة ملفات رئيسية: أولها وقف الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وثانيها إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، وثالثها توفير إطار تفاوضي لاحق للملفات العالقة بين واشنطن وطهران.

 

 

مضيق هرمز والوساطات الإقليمية في قلب التفاهم

 

وجاءت تصريحات ترامب بعدما كشف مصدر باكستاني عن تقديم إيران وباكستان مقترحًا معدلًا إلى الولايات المتحدة، بهدف إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية، وهو ما يضع إسلام آباد في موقع وسيط نشط داخل الأزمة.

 

وخلال الأيام الأخيرة، شهدت المحادثات بين واشنطن وطهران تطورًا ملحوظًا في ظل وساطات وتحركات دبلوماسية قادتها عدة دول في الشرق الأوسط، سعيًا لخفض التوتر واحتواء التصعيد العسكري، بعد أن تحولت الحرب إلى مصدر قلق واسع للأسواق والدول المطلة على الخليج.

 

وتكتسب قضية مضيق هرمز أهمية خاصة في أي اتفاق محتمل؛ لأن المضيق يمثل ممرًا حيويًا لصادرات الطاقة، وأي تعطيل لحركة الملاحة فيه ينعكس على أسعار النفط والغاز وتكاليف الشحن، ثم يمتد أثره إلى أسعار السلع والخدمات في دول كثيرة.

 

لذلك، يضع ترامب إعادة فتح المضيق في قلب الاتفاق؛ لأن واشنطن تريد تقديم التفاهم بوصفه إنجازًا عمليًا لا مجرد هدنة سياسية، بينما تحتاج إيران إلى صيغة لا تظهرها وكأنها تراجعت مجانًا، خاصة بعد خسائر الحرب والضغوط الاقتصادية التي صاحبت التصعيد.

 

وفي المقابل، يبدو أن طهران تراهن على أن أي اتفاق سيفتح الباب لتخفيف بعض الضغوط عنها، سواء عبر استئناف الملاحة بصورة طبيعية أو عبر فتح مسار تفاوضي أوسع، لكن ذلك سيظل مشروطًا بما ستتضمنه مذكرة التفاهم من بنود واضحة وجدول زمني قابل للتنفيذ.

 

كما أن مشاركة أطراف إقليمية في الاتصالات تمنح الاتفاق المرتقب وزنًا إضافيًا؛ لأن الدول المعنية لا تبحث فقط عن وقف إطلاق النار، بل عن ضمان استقرار حركة التجارة والطاقة ومنع تكرار سيناريو إغلاق المضيق، الذي كشف هشاشة المنطقة أمام أي مواجهة مباشرة.

 

وبينما تتحدث واشنطن عن اقتراب التوقيع، تحتاج طهران إلى إدارة الرأي العام الداخلي بعناية؛ لأن أي تفاهم مع الولايات المتحدة سيواجه أسئلة من التيارات المتشددة، خصوصًا إذا شمل ترتيبات أمنية أو تفاوضًا لاحقًا بشأن ملفات حساسة مثل البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي.

 

 

المشهد الإيراني بين البرلمان والحرب والاتفاق المنتظر

 

وتضع إعادة انتخاب قاليباف المشهد الإيراني أمام معادلة دقيقة، حيث يواصل النظام تثبيت مؤسساته الداخلية بينما يتحرك على مسار تفاوضي خارجي حساس، وفي هذه المعادلة يظهر البرلمان كأداة سياسية لمساندة موقف الدولة أو ضبط الجدل الداخلي حول أي تسوية محتملة.

 

ومن المتوقع أن يحتل الاتفاق المرتقب مساحة واسعة داخل النقاش السياسي الإيراني خلال الفترة المقبلة؛ لأن نتائجه لن تتوقف عند وقف الحرب فقط، بل قد تمتد إلى الاقتصاد والعملة والتجارة والطاقة، وهي ملفات تمس المواطنين مباشرة بعد أشهر من التوتر والعقوبات والضغط العسكري.

 

كما ستراقب الأطراف الإقليمية موقف البرلمان الإيراني من أي تفاهم؛ لأن موقف المؤسسة التشريعية قد يكشف حدود القبول الداخلي للاتفاق، خصوصًا إذا طالبت الحكومة الإيرانية بتفسير بنود تتعلق بفتح المضيق أو وقف الأعمال العسكرية أو الدخول في محادثات إضافية مع واشنطن.

 

وفي الوقت نفسه، سيحاول ترامب استثمار الإعلان المرتقب سياسيًا؛ لأنه يقدم نفسه كطرف قادر على إنهاء حرب واسعة وإعادة فتح ممر دولي حساس، غير أن نجاح هذا المسار سيعتمد على تنفيذ البنود لا على إعلانها، وعلى قدرة الوسطاء على منع انهيار التفاهم قبل اكتماله.

 

وهكذا، يجتمع انتخاب قاليباف وحديث ترامب عن اتفاق السلام في لحظة واحدة تعكس شدة التحول في المشهد؛ فإيران تثبت رئاسة البرلمان، وواشنطن تتحدث عن اتفاق قريب، والوسطاء يدفعون نحو فتح مضيق هرمز، بينما تنتظر المنطقة إعلانًا رسميًا قد يحدد اتجاه الأزمة.

 

وفي النهاية، لا تبدو إعادة انتخاب محمد باقر قاليباف خبرًا داخليًا منفصلًا عن الحرب، بل تأتي ضمن سياق أوسع تحاول فيه إيران ترتيب بيتها السياسي قبل مرحلة تفاوضية محتملة، بينما يحاول ترامب تحويل مسار الحرب إلى اتفاق يفتح المضيق ويمنح المنطقة فرصة لخفض التصعيد.