أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، اليوم الجمعة، التوصل إلى النص النهائي المتفق عليه لاتفاق سلام محتمل بين إيران والولايات المتحدة، في تطور لافت بعد أسابيع من الحرب والتصعيد العسكري المباشر بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، وسط حديث عن دور باكستاني متقدم في الوساطة بين الطرفين.
وقال شريف إن بلاده تعمل عن كثب مع الولايات المتحدة وإيران لوضع اللمسات الأخيرة على الخطوات التالية في اتفاق السلام، دون أن يكشف تفاصيل إضافية بشأن آلية التنفيذ أو موعد التوقيع، في وقت تتضارب فيه التصريحات بين تفاؤل أمريكي معلن ونفي إيراني لبلوغ اتفاق نهائي.
ويأتي هذا التطور بينما كشفت وسائل إعلام إيرانية عن ملامح مسودة اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن، تتضمن ملفات نووية واقتصادية ورفع عقوبات، دون التطرق إلى البرنامج الصاروخي الإيراني، وهو ما قد يشكل نقطة خلاف جوهرية مع الاحتلال الإسرائيلي وبعض حلفاء واشنطن في المنطقة.
وتعكس التسريبات حجم التحولات التي فرضتها الحرب الأخيرة على موازين التفاوض، إذ لم تعد المحادثات محصورة في الملف النووي وحده، بل امتدت إلى العقوبات النفطية والأموال المجمدة والحضور العسكري الأمريكي قرب إيران، إضافة إلى ترتيبات بحرية تتصل بمضيق هرمز والممرات التجارية في الخليج.
مسودة بأربعة بنود كبرى وغياب لملف الصواريخ
سلطت وكالة "مهر" الإيرانية الضوء على مسودة الاتفاق المحتمل، مشيرة إلى أنها تتضمن أربعة بنود رئيسية تركز على القضايا النووية والاقتصادية، مع استبعاد ملف الصواريخ الإيرانية من طاولة المفاوضات النهائية.
وبحسب ما نقلته الوكالة، تشمل المسودة رفع العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، وسحب القوات الأمريكية من محيطها، ورفع الحصار البحري، وإعادة فتح مضيق هرمز، إضافة إلى رفع العقوبات النفطية والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج.
وتتضمن المسودة أيضا مقترحا يلزم الولايات المتحدة بتقديم خطة لإعادة بناء الاقتصاد الإيراني، في إشارة إلى أن طهران لا تسعى فقط إلى وقف إطلاق النار أو تجميد التصعيد، بل إلى انتزاع مكاسب اقتصادية مباشرة بعد سنوات من العقوبات والخسائر الناتجة عن الحرب الأخيرة.
واللافت في التسريبات الإيرانية أن المفاوضات النهائية، وفق المسودة، يجب أن تدور حول القضايا النووية والاقتصادية فقط، دون طرح البرنامج الصاروخي الإيراني، وهو ما يتعارض مع مطالب أمريكية وإسرائيلية سابقة كانت تعتبر القدرات الصاروخية الإيرانية جزءا أساسيا من التهديد الإقليمي.
وتتهم واشنطن وتل أبيب طهران بامتلاك برنامجين نووي وصاروخي يهددان الاحتلال الإسرائيلي ودولا حليفة للولايات المتحدة، بينما تؤكد إيران أن برنامجها النووي سلمي، وأنها لا تسعى إلى إنتاج أسلحة نووية ولا تهدد دولا أخرى، معتبرة أن قدراتها الدفاعية غير قابلة للتفاوض.
ترامب يعلن نهاية الحرب وطهران تتحدث عن تكهنات
في المقابل، ادعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مساء الخميس، أن بلاده قررت إنهاء الحرب على إيران بعد موافقة طهران على عدم امتلاك أسلحة نووية، معلنا عبر منصته "تروث سوشال" إلغاء هجمات كانت مخططة ضد إيران خلال الليلة الماضية.
وقال ترامب إن التفاهمات المقترحة حظيت بموافقة أطراف عدة، بينها إسرائيل، مضيفا أن موعد ومكان التوقيع الرسمي سيعلنان لاحقا، في خطاب بدا موجها إلى الداخل الأمريكي بقدر ما هو موجه إلى أطراف الإقليم، خاصة بعد كلفة الحرب وتداعياتها على أسعار الطاقة وحركة الملاحة.
لكن طهران سارعت إلى تخفيف وقع الإعلان الأمريكي، إذ نفى متحدث وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي توصل بلاده إلى نتيجة نهائية بشأن اتفاق، معتبرا أن ما يطرح بهذا الصدد لا يزال في إطار "التكهنات"، في إشارة إلى أن المفاوضات لم تبلغ بعد مرحلة الإعلان الرسمي الملزم.
هذا التباين بين واشنطن وطهران يكشف هشاشة المسار التفاوضي، فبينما يسعى ترامب إلى تقديم نفسه بوصفه الطرف الذي أنهى الحرب وانتزع تعهدا إيرانيا بعدم امتلاك سلاح نووي، تحاول إيران تجنب الظهور بمظهر الطرف الذي قدم تنازلات تحت الضغط العسكري.
ومنذ بدء الهدنة في الثامن من نيسان/ أبريل الماضي، تخوض واشنطن وطهران مفاوضات بوساطة باكستانية لإنهاء الحرب التي بدأت في الثامن والعشرين من شباط/ فبراير الماضي، بعد انخراط أمريكي إسرائيلي واسع في ضربات ضد إيران، وردود إيرانية استهدفت مصالح وقواعد ومواقع في المنطقة.
وتبدو باكستان، وفق تصريحات شهباز شريف، في موقع الوسيط الذي يحاول تحويل الهدنة الهشة إلى اتفاق سياسي، لكن غياب بيان رسمي مشترك من الأطراف المعنية يجعل الحديث عن "نص نهائي" أقرب إلى إعلان تقدم كبير لا إلى اتفاق مكتمل قابل للتنفيذ الفوري.
أموال إماراتية لإيران وتهدئة مشروطة في الخليج
بالتوازي مع المسار الأمريكي الإيراني، كشفت مصادر لوكالة رويترز أن الإمارات وافقت على الإفراج عن مليارات الدولارات لإيران، في تحول تكتيكي بعد أسابيع من الهجمات الإيرانية على الدولة الخليجية خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على طهران.
وبحسب المصادر، وافقت أبوظبي على الإفراج عن 10 مليارات دولار، جرى تسليم أكثر من ثلاثة مليارات دولار منها بالفعل، فيما تحدث مصدران آخران عن أن إجمالي الأموال المعنية قد يصل إلى 20 مليار دولار، في خطوة تمت مقابل وقف الهجمات الإيرانية على الإمارات.
ولم يتضح ما إذا كانت هذه الأموال تعود إلى الإمارات نفسها، أو إلى حسابات إيرانية مجمدة منذ فترة طويلة في النظام المصرفي الإماراتي، أو إلى مصادر أخرى، غير أن مسؤولا إماراتيا قال إن سياسة بلاده تسترشد بخفض التصعيد وتخفيف التوتر في المنطقة ودعم جهود السلام والاستقرار.
وتشير تفاصيل الاتفاق، وفق مصدر مطلع، إلى أن إيران ستوقف هجماتها بالصواريخ والطائرات المسيرة على الإمارات مقابل صرف الأموال، مع إعادة بناء العلاقات الثنائية، بما يشمل تبادل المعلومات المخابراتية والتعاون الاقتصادي، وهو ما يعكس إدراكا خليجيا بأن كلفة المواجهة المباشرة مع طهران باتت مرتفعة للغاية.
وكان آخر هجوم مباشر معروف شنته إيران على الإمارات في الرابع من مايو الماضي، واستهدف ميناء الفجيرة المطل على خليج عُمان، في تصعيد أظهر هشاشة أمن الموانئ والمنشآت الحيوية الخليجية أمام الطائرات المسيرة والصواريخ.
وتكشف المعلومات عن زيارة مسؤولين من الحرس الثوري الإيراني إلى أبوظبي الأسبوع الماضي للقاء الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، نائب حاكم أبوظبي ومستشار الأمن القومي، قبل أن يزور مسؤولون إماراتيون طهران للتفاوض على تفاصيل آلية الاتفاق.
وتكتسب هذه التطورات أهميتها من كون دبي تحتفظ منذ فترة طويلة بودائع كبيرة مرتبطة بإيران، جرى تجميد معظمها بفعل العقوبات الأمريكية، ما يجعل أي إفراج عن أموال إيرانية مرتبطا ليس فقط بقرار إماراتي، بل بتفاهمات أوسع مع واشنطن بشأن العقوبات وشبكات المقاصة العالمية بالدولار.
وبين مسودة اتفاق أمريكي إيراني لم تعلن رسميا بعد، وترتيبات مالية خليجية لاحتواء الهجمات، تبدو المنطقة أمام مرحلة انتقالية شديدة الحساسية؛ فإما أن تتحول الهدنة إلى تسوية تقلص خطر الحرب، أو تنهار تحت ضغط الشروط المتضاربة بين واشنطن وطهران وتل أبيب وعواصم الخليج.

