كشفت تصريحات وزير التموين شريف فاروق، في القاهرة خلال يونيو 2026، عن تقدم الحكومة في مراجعة منظومة الدعم التمويني والخبز، وسط حديث رسمي عن تنقية البطاقات ومحافظ مالية وسلة غذائية بديلة للمواطنين.

 

وتفتح هذه التصريحات بابا خطرا أمام ملايين الأسر التي تعتمد على الرغيف المدعم يوميا، لأن نقل الدعم من سلعة ثابتة إلى مبلغ قابل للتآكل يضع الفقراء مباشرة أمام سوق لا ترحم دخولهم الضعيفة.

 

تنقية البطاقات تتحول إلى بوابة استبعاد

 

قال وزير التموين شريف فاروق إن الحكومة لا تستهدف تقليل الدعم أو إلغائه، لكنها تعمل على إعادة ضبط المنظومة وتوجيهها بدقة أكبر، بعد رصد مشكلات كفاءة وهدر واستغلال داخل بعض المخابز.

 

وأوضح فاروق أن عملية غربلة البطاقات التموينية مستمرة، بهدف استبعاد غير المستحقين وإدخال بيانات أكثر دقة تعتمد على قواعد معلومات حكومية شاملة، بما يسمح للحكومة بإعادة ترتيب المستفيدين من الدعم.

 

لكن هذا الخطاب يثير القلق لأن كلمة التنقية تحولت خلال سنوات سابقة إلى مدخل لإخراج أسر من الدعم، بينما لا يملك المواطن دائما وسيلة سريعة لإثبات فقره أو تدهور دخله.

 

كما قال الوزير إن الدخول والخروج من منظومة الدعم سيكون عملية ديناميكية ومستمرة، وهو تعبير يعني أن بطاقة التموين لن تبقى حقا مستقرا، بل ستصبح ملفا مفتوحا للمراجعة والاستبعاد الإداري المتكرر.

 

وفي هذا المحور، تخدم رؤية الدكتور جودة عبدالخالق، وزير التموين الأسبق وأستاذ الاقتصاد، فكرة هشاشة قواعد البيانات، إذ حذر من أن شروط التحول إلى الدعم النقدي ليست متوافرة في مصر.

 

وأضاف جودة عبدالخالق أن غياب قاعدة بيانات حقيقية وحصرية للفقراء قد يظلم فئات مستحقة، لأن الفقر لا يظهر فقط في انعدام الدخل، بل يظهر أيضا في هشاشة العمل والديون والمرض.

 

وبناء على ذلك، لا تبدو غربلة البطاقات مجرد عملية إدارية محايدة، لأن الحكومة التي تعجز عن ضبط الأسعار قد تعجز أيضا عن تحديد الفقير بدقة وسط اقتصاد غير رسمي واسع.

 

ثم إن الحديث عن خروج غير المستحقين لا يجيب عن سؤال المستحقين الجدد، خصوصا الأسر التي سقطت تحت ضغط التضخم والإيجارات والديون بعد فقدان قيمة الجنيه خلال السنوات الماضية.

 

لذلك يصبح الخطر أن تستخدم الحكومة لغة العدالة لتبرير خفض عدد المستفيدين، بينما يبقى المواطن محدود الدخل أمام مكاتب تموين مزدحمة ونظم تظلم بطيئة وأسعار تتحرك أسرع من أي مراجعة.

 

الخبز بين الرغيف الثابت والمحفظة المتآكلة

 

وأكد وزير التموين أن المواطن سيظل يحصل على احتياجاته الأساسية، مع إمكانية حصوله على سلة غذائية متنوعة أو بدائل مالية داخل حدود الدعم المخصص، بما يعكس توجها نحو دعم أكثر مرونة.

 

وأشار الوزير إلى أن الدعم النقدي سيتضمن تحديد سعر لرغيف الخبز وتوحيد أسعار السلع التموينية، مع إضافة مبالغ مالية إلى محفظة المواطن عبر بطاقة التموين وفق أسعار الخبز الحرة.

 

لكن نقل الخبز من رغيف مضمون إلى مبلغ في بطاقة يعني عمليا أن المواطن سيواجه السوق بسعر يتغير، بينما يتأخر التعويض الحكومي غالبا عن موجات الغلاء المتتالية في السلع الأساسية.

 

وفي هذا السياق، يخدم موقف الدكتورة سلمى حسين، الباحثة في الاقتصاد والسياسات العامة، محور الخبز كمنفعة عامة، لأنها دافعت عن دعم الخبز باعتباره أداة حماية يومية لا ترفا ماليا.

 

وتوضح كتابات سلمى حسين أن دعم الخبز لا يمثل عبئا ضخما مقارنة ببنود أخرى في الموازنة، بينما يمثل للمواطن الفقير حماية مباشرة من الجوع حين تفقد الأجور قوتها الشرائية.

 

كما تشير بيانات الموازنة إلى تقدير دعم السلع التموينية ورغيف الخبز بنحو 178.300 مليار جنيه في مشروع موازنة 2026/2027، مقابل نحو 160 مليار جنيه في 2025/2026.

 

وتتضمن الموازنة نحو 133.799 مليار جنيه لدعم رغيف الخبز، مع توفير نحو 8.6 مليون طن من القمح، بينها 8.04 مليون طن لإنتاج نحو 116.4 مليار رغيف.

 

وبحسب الأرقام نفسها، يبلغ عدد المستفيدين من دعم السلع التموينية نحو 60.8 مليون فرد، ويحصل المواطن على 50 جنيها شهريا حتى 4 أفراد على البطاقة، ثم 25 جنيها للفرد الزائد.

 

ولهذا يصبح الحديث عن محفظة مالية بديلا مقلقا، لأن قيمة 50 جنيها فقدت كثيرا من قوتها الشرائية، بينما يظل الرغيف المدعم سلعة ملموسة يعرف المواطن عددها ويخطط عليها يوميا.

 

ومن ثم، لا تكفي وعود الحكومة بمواكبة التضخم، لأن المواطن لا يأكل الوعود، ولا ينتظر لجانا لتحديث قيمة الدعم بعد ارتفاع السكر والزيت والخبز الحر وباقي مكونات الوجبة اليومية.

 

المخابز شماعة الهدر ومسار الدعم النقدي يتقدم

 

تحدث وزير التموين عن هدر واستغلال داخل بعض المخابز، وقدم المخابز كشريك أساسي في المنظومة التموينية، لكنه ربط إصلاح الدعم بمواجهة ممارسات تؤدي إلى استنزاف الموارد وحرمان مستحقين من الدعم.

 

وبهذا الربط، تنقل الحكومة النقاش من حق المواطن في الغذاء إلى سلوك بعض المخابز، رغم أن فساد حلقات التوزيع يجب أن يعالج بالرقابة والعقوبات لا بتغيير طبيعة الدعم كله.

 

كما أن الدولة تملك أدوات رقابة على المخابز تشمل البطاقات الذكية والتفتيش والغرامات ووزن الرغيف، ولذلك لا يجوز تحميل المواطن تكلفة عجز الأجهزة الرقابية عن منع التلاعب في الدقيق والخبز.

 

وفي هذا المحور، تخدم رؤية الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي، فكرة أن الدعم العيني أنسب لمصر، رغم تفضيله العام للدعم النقدي في دول أخرى، بسبب طبيعة السوق وجشع التجار.

 

ويربط هذا الرأي بين شكل الدعم وحالة السوق، لأن الدعم النقدي قد يكون مفيدا في اقتصاد منضبط، لكنه يصبح خطرا حين تتحرك الأسعار بلا ضابط ويتحكم التجار في السلع الأساسية.

 

كما حذر النائب فريدي البياضي من أن تحويل دعم الخبز والسلع إلى مبلغ نقدي في الظروف الحالية قد يؤدي إلى تآكل القيمة الحقيقية للدعم خلال أسابيع أو شهور.

 

وتقاطع هذا التحذير مع قلق شعبي أوسع، لأن المواطنين يسمعون الحكومة تتحدث عن سلة غذائية مرنة وفراخ بدلا من بعض السلع، بينما يعرفون أن رغيف الخبز هو الوجبة اليومية الثابتة.

 

وعندما تقول الحكومة إن التوفير في استهلاك الخبز قد يمنح المواطن سلعا أخرى، فإنها تتجاهل أن ملايين الأسر لا توفر الخبز اختيارا، بل تستهلك حصتها كاملة لأنها لا تملك بديلا، لذلك تبدو المرونة المعلنة أقرب إلى نقل المخاطر من الدولة إلى المواطن، لأن الحكومة تحدد المبلغ، والسوق يحدد السعر، والفقير يبقى وحده بين بطاقته التموينية وفاتورة الغذاء اليومية.

 

وفي النهاية، لا يهدد الجدل الحالي رقما داخل بطاقة التموين فقط، بل يهدد آخر شبكة غذائية ثابتة لملايين المصريين، وإذا مر الدعم النقدي بلا ضمانات قاسية فسيصبح الرغيف حقا قابلا للذوبان.