أعلنت الشرطة الباكستانية، اليوم السبت، مقتل 7 أشخاص وإصابة 3 آخرين في تفجيرين بعبوتين ناسفتين على جانب طريق في منطقة بانو بإقليم خيبر بختونخوا شمال غرب باكستان، في هجوم مزدوج استهدف مركبة أولا ثم فرق الإنقاذ التي هرعت إلى موقع الانفجار.

 

وجاء الهجوم ليعيد الإقليم الحدودي مع أفغانستان إلى واجهة العنف المسلح، في وقت تحاول السلطات الباكستانية تأكيد قدرتها على ضبط المناطق المضطربة، بينما تكشف الوقائع الميدانية أن شبكات التفجير والكمائن لا تزال قادرة على ضرب المدنيين والمنقذين في لحظة واحدة.

 

تفجير أول ومصيدة للإنقاذ

 

وقع الانفجار الأول عندما استهدفت عبوة ناسفة مركبة في بانو، وهي منطقة تقع داخل إقليم خيبر بختونخوا الذي عرف خلال السنوات الماضية هجمات متكررة ضد قوات الأمن والمدنيين. وبحسب مسؤول كبير في الشرطة، أسفر التفجير الأول عن مقتل 5 أشخاص، قبل أن يتحول موقع الحادث إلى فخ جديد للواصلين لإنقاذ المصابين.

 

وبعد وصول فرق الإنقاذ والأهالي إلى المكان، انفجرت عبوة ثانية، ما أدى إلى مقتل شخصين آخرين وإصابة 3 أشخاص بجروح. هذا النمط من التفجيرات المزدوجة يحمل رسالة دموية واضحة، إذ لا يكتفي المنفذون بضرب الهدف الأول، بل يسعون إلى استهداف المسعفين والمتجمهرين وإطالة أثر الرعب.

 

ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن المسؤول الشرطي ياسر أفريدي أن العبوتين جرى تفجيرهما عن بعد، وأن السلطات بدأت عملية بحث لتعقب المتورطين. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم حتى الآن، غير أن طبيعة التفجيرين والمنطقة المستهدفة تضع أصابع الاتهام، بحسب تقارير دولية، على جماعات مسلحة تنشط في الشمال الغربي الباكستاني.

 

وتكمن خطورة الحادث في أنه لم يكن تفجيرا عشوائيا واحدا، بل كمينا متدرجا اعتمد على توقع رد الفعل البشري الطبيعي بعد الانفجار الأول. فحين يتحرك الناس لإنقاذ الضحايا، تصبح الرحمة نفسها جزءا من ساحة الاستهداف، وهي طريقة تكشف مستوى القسوة والتنظيم لدى منفذي الهجوم.

 

خيبر بختونخوا تحت ضغط العنف

 

يعد إقليم خيبر بختونخوا من أكثر المناطق الباكستانية حساسية أمنية بسبب موقعه القريب من الحدود الأفغانية، وارتباطه بتاريخ طويل من نشاط الجماعات المسلحة. وبعد عودة طالبان إلى الحكم في أفغانستان عام 2021، تتهم إسلام آباد حركة طالبان الباكستانية باستغلال ملاذات عبر الحدود، وهو اتهام تنفيه كابل عادة.

 

وتقول تقارير أمنية وإعلامية إن باكستان شهدت خلال السنوات الأخيرة زيادة في الهجمات المسلحة، خصوصا في خيبر بختونخوا وبلوشستان. ورغم العمليات العسكرية والحملات الأمنية، لا تزال العبوات الناسفة والكمائن من الأدوات المفضلة للجماعات المتشددة، لأنها رخيصة نسبيا وقادرة على إيقاع خسائر وإرباك السلطات.

 

وتبرز بانو تحديدا كمنطقة تكررت فيها الهجمات خلال الأشهر الماضية. فقد شهدت المنطقة هجمات استهدفت مواقع أمنية، بينها عمليات انتحارية واشتباكات مسلحة، ما يجعل التفجيرين الأخيرين جزءا من سلسلة أوسع لا حدثا منفصلا. وبهذا المعنى، لا يواجه السكان حادثا طارئا فقط، بل يعيشون تحت ظل تهديد متجدد.

 

ويكشف استهداف فرق الإنقاذ عن تطور أخطر في تكتيكات العنف، لأن الغرض لا يقتصر على القتل، بل يمتد إلى تعطيل الاستجابة الإنسانية وزرع الخوف لدى كل من يفكر في تقديم المساعدة. وفي مناطق تعاني أصلا من ضعف الخدمات، يضاعف ذلك تكلفة كل هجوم على المدنيين والمجتمع المحلي.

 

زرداري يحذر والسلطات تفتش عن المنفذين

 

في أعقاب التفجيرين، أدان الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري الهجومين، ودعا إلى مواجهة من وصفهم بالجهات الداخلية والخارجية التي تدعم الإرهاب، محذرا من توفير الملاذات الآمنة أو الدعم المالي واللوجستي للشبكات المتطرفة. ويعكس هذا الخطاب اتجاها رسميا لربط العنف المحلي بشبكات أوسع داخل البلاد وخارجها.

 

لكن الإدانة السياسية وحدها لا تكفي لطمأنة سكان المناطق الحدودية، الذين يدفعون الثمن المباشر لكل ثغرة أمنية. فالسؤال المطروح بعد كل تفجير لا يتعلق فقط بمن نفذ، بل بكيف وصلت العبوات إلى الطريق، وكيف رصد المنفذون حركة المركبة والإنقاذ، ولماذا لا تزال هذه الكمائن تتكرر.

 

وتواجه الحكومة الباكستانية تحديا مزدوجا: ملاحقة المنفذين ميدانيا، ومعالجة الأسباب التي تسمح بعودة الجماعات المسلحة إلى القرى والطرق والمناطق الجبلية. فالحل الأمني، رغم ضرورته، يبقى ناقصا إذا لم يرافقه حضور دولة فعلي، وتنمية محلية، وثقة بين السكان وأجهزة الأمن.

 

كما أن استمرار الهجمات يضع العلاقات الباكستانية الأفغانية تحت ضغط إضافي، خصوصا مع اتهامات إسلام آباد المتكررة بوجود ملاذات آمنة لمسلحي طالبان الباكستانية داخل أفغانستان. وكلما وقع هجوم جديد في خيبر بختونخوا، عادت تلك الاتهامات إلى الواجهة، ومعها مخاوف من توتر حدودي وسياسي أوسع.

 

في النهاية، يختصر تفجيرا بانو مأساة الأمن الهش في شمال غرب باكستان: 7 قتلى و3 مصابين، وعبوتان زرعتا على طريق واحد، وضحايا سقطوا مرتين، مرة في المركبة ومرة عند محاولة الإنقاذ. وبين بيانات الإدانة وعمليات البحث، يبقى السكان أمام سؤال قاس: من يحمي الطريق قبل أن يتحول إلى مقبرة جديدة.