وثقت محاضر الشرطة خلال 5 شهور 4 وقائع اعتداء على أطباء وفرق طبية داخل مستشفيات ومراكز صحية في شبرا والباجور ومعهد ناصر وحلوان، فصار العلاج نفسه محاطا بالخوف لا بالأمان.

 

وبالتالي لم تعد غرفة الطوارئ مساحة إنقاذ فقط، بل تحولت في أحيان كثيرة إلى ساحة غضب اجتماعي منفلت، يدفع فيها الطبيب ثمن فشل المنظومة، وتأخر الخدمة، وضعف التأمين، وانهيار الثقة العامة.

 

دماء في أماكن العلاج

 

كما أن واقعة طبيبة أسنان شبرا الخيمة فجرت الغضب العام، فإنها لم تكن حادثا معزولا؛ فالمقاطع المتداولة أظهرت طبيبة تستغيث بعد اعتداء ترك إصابات واضحة وكسرا استدعى تدخلا جراحيا.

 

لذلك تحركت النقابة العامة لأطباء الأسنان لمتابعة حالتها الصحية والقانونية، وأعلنت أن الفحوصات أثبتت خدوشا وكدمات وكسرا في الساعد، مع ترحيل المتهمين إلى النيابة لاتخاذ الإجراءات القانونية.

 

ومن ثم جاء بيان وزارة الصحة متأخرا تحت ضغط الغضب، فأعلن الوزير متابعة الحالة والتواصل مع النائب العام، والتأكيد على تطبيق قانون المسؤولية الطبية وسلامة المريض ضد المعتدين على الأطقم الطبية.

 

غير أن المشكلة لا تنتهي عند القبض على 4 متهمين، لأن السؤال الأوسع يبقى معلقا: كيف تصل مشادة داخل وحدة طبية إلى كسر عظام طبيبة تؤدي عملها وسط منشأة حكومية.

 

علاوة على ذلك، تكشف الدراسة المنشورة عن بيئة عمل مرعبة؛ إذ قال 88% من الأطباء إنهم تعرضوا لعنف لفظي، بينما واجه 42% اعتداءات جسدية، واستخدمت أدوات حادة في 29.5% من الحالات.

 

بناء على ذلك، لا يمكن وصف الاعتداءات بأنها انفلات فردي فقط، بل هي مؤشر على منظومة صحية لا تحمي العاملين فيها، ولا تشرح للمواطن حدود الخدمة، ولا تضبط الغضب عند أبواب الطوارئ.

 

في هذا السياق، يرى الدكتور أسامة عبد الحي، نقيب الأطباء، أن الاعتداء على الأطباء والمنشآت الطبية جريمة يجب تغليظ عقوبتها، وألا تترك للتصالح السهل الذي يشجع تكرار الانتهاك.

 

محاضر تتكرر والضحايا يتبدلون

 

إلى جانب شبرا، شهد مستشفى الباجور التخصصي في فبراير واقعة اعتداء على طبيب عظام، بعدما تحولت مشادة حول أسبقية الكشف إلى ضرب مباشر تسبب في كسر بالأنف وإصابات بالوجه.

 

كما أن الأمن الإداري تمكن من ضبط المتهم داخل المستشفى، فإن الواقعة كشفت هشاشة التأمين، لأن السيطرة حدثت بعد إصابة الطبيب، لا قبل منع الاعتداء أو ضبط التوتر داخل الاستقبال.

 

لزيادة القسوة، تعرضت الطبيبة آية يسري أحمد عطية، طبيبة المخ والأعصاب بمستشفى معهد ناصر، للاعتداء وسرقة هاتفها عقب نوبتجية العمل داخل محيط سكن الأطقم الطبية التابعة للمستشفى.

 

لذلك بدا الحكم بحبس المتهم 6 أشهر رسالة قانونية مهمة، لكنه لا يكفي وحده لإقناع الأطباء بأن بيئة العمل أصبحت آمنة، خصوصا عندما يصل الخطر إلى سكن الفريق الطبي.

 

ومن ثم جاءت واقعة مدير عيادة النصر للتأمين الصحي بحلوان لتؤكد أن الاعتداء لا يلاحق الأطباء في الطوارئ فقط، بل يطال المديرين أثناء محاولة احتواء مشادات داخل العيادات.

 

غير أن إصابة الدكتور أحمد محمد علي بتهتك في الوجه واشتباه ارتجاج وكسر بالفك ونزيف، بحسب ما نشرته وسائل إعلام، تكشف أن لحظة غضب واحدة قد تهدد حياة طبيب.

 

علاوة على ذلك، ألقت الأجهزة الأمنية في الجيزة القبض خلال مايو على شخص متهم بالاعتداء على طبيب عظام بالبدرشين، بعد خلاف أثناء توقيع الكشف على شقيق المتهم داخل المستشفى.

 

وبناء على ذلك، تبدو الوقائع الأربع خلال 5 شهور سلسلة إنذار لا حوادث متفرقة، لأن المكان واحد تقريبا، والسبب واحد تقريبا، والضحية في النهاية طبيب يعمل وسط غضب بلا حماية.

 

وفي هذا الإطار، قال الدكتور إيهاب الطاهر، الأمين العام الأسبق لنقابة الأطباء، إن تكرار الاعتداءات يرتبط بغياب التأمين الكافي ونقص الخدمات، مطالبا بشرطة تأمين فعالة وكاميرات ورقابة داخل المنشآت.

 

القانون وحده لا يحمي الطبيب

 

إضافة إلى ذلك، جاء قانون المسؤولية الطبية وسلامة المريض رقم 13 لسنة 2025 ليضع عقوبات على الاعتداء على مقدمي الخدمة الصحية، لكن النص القانوني لا يمنع العصا إذا غاب التنفيذ.

 

كما أن الوزارة تتحدث عن عقوبات رادعة، فإن الطبيب على الأرض لا يحتاج بيانا بعد الاعتداء، بل يحتاج نظام دخول واضحا، وأمنا مدربا، وكاميرات عاملة، وإجراءات تمنع الاقتحام قبل وقوعه.

 

لذلك تتحمل الدولة مسؤولية مزدوجة؛ فهي مطالبة بحماية الطبيب من العنف، وبحماية المريض من الإهمال، ولا يجوز أن تترك الطرفين يتصارعان في ممر ضيق بسبب نقص الخدمة وسوء الإدارة.

 

ومن زاوية إنسانية، يصبح أهالي المرضى أكثر قابلية للانفجار عندما تطول قوائم الانتظار وتغيب المعلومات وتتدهور الخدمات، لكن الغضب على المنظومة لا يمنح أحدا حق كسر ذراع طبيبة.

 

في المقابل، يحذر الدكتور أحمد حسين، عضو مجلس نقابة الأطباء، من خطورة الاعتداءات التي تطال المستشفيات والعاملين بها، لأنها لا تصيب الطبيب وحده، بل توقف الخدمة وتعرض المرضى للخطر.

 

كذلك تكشف الاعتداءات عن انهيار الثقة بين المواطن والمرفق العام، فالمريض يدخل المستشفى غاضبا وخائفا، والطبيب يستقبله مرهقا وخائفا، وبينهما إدارة عاجزة عن تنظيم العلاقة أو تأمينها.

 

وعليه، لا يكفي تصوير الطبيب كضحية مطلقة ولا المواطن كجاني دائم، لأن الحقيقة أن الطرفين محاصران داخل منظومة مأزومة، لكن العنف يظل جريمة لا عذر لها ولا تبرير.

 

فضلا عن ذلك، فإن هجرة الأطباء ونقص الكوادر يجعلان الاعتداءات أكثر خطورة، لأن الطبيب الذي يشعر أن الدولة لا تحميه سيبحث عن مكان آخر يحفظ له كرامته وسلامته.

 

في النهاية، تؤكد 4 وقائع في 5 شهور أن المستشفى لم يعد آمنا بما يكفي، وأن حماية الأطقم الطبية ليست مطلبا نقابيا، بل شرط لبقاء الخدمة الصحية نفسها من الانهيار.