كشفت وثائق وتقارير منشورة منذ 2019، تعاقد شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية مع شركة هانيويل الأمريكية لإنشاء منظومة مراقبة مركزية تضم أكثر من 6000 كاميرا، لتتحول المدينة الجديدة إلى مساحة حضرية تحت الرصد المستمر.

 

وبينما تبيع الحكومة المشروع بوصفه مدينة ذكية وآمنة، تبدو الحقيقة أشد خطورة؛ فالمواطن يدخل مدينة لا يعرف من يراقبه فيها، ولا من يحفظ بياناته، ولا متى تتحول السلامة إلى تتبع سياسي واجتماعي.

 

إضافة إلى ذلك، لا تقف الأزمة عند كاميرات في الشوارع، بل عند فلسفة كاملة للحكم، تستبدل الحق في المدينة بمنطق السيطرة، وتحول المجال العام إلى شاشة مفتوحة أمام أجهزة لا تخضع لرقابة معلنة.

 

صفقة صنعت العين الكبرى

 

وقعت شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية اتفاقاً مع شركة هانيويل الأمريكية في 2019 لتطوير منظومة أمنية على مستوى المدينة، تعتمد على مركز قيادة وسيطرة موحد يربط الأنظمة الأمنية في نقطة مركزية واحدة.

 

وبالتالي، لم تكن الصفقة مجرد توريد كاميرات أو أجهزة إنذار، بل بناء عقل رقمي مركزي للمدينة، يستطيع جمع صور الحركة اليومية وتحليلها وربطها بمنظومة استجابة أمنية وطبية ومرورية متكاملة.

 

كما شملت المنظومة ربط أكثر من 6000 كاميرا عبر شبكة لاسلكية، وتشغيل تحليلات فيديو متقدمة لمراقبة الزحام والحركة المرورية والحوادث والاشتباه في الأشخاص أو الأجسام وإطلاق إنذارات تلقائية عند الطوارئ.

 

غير أن اللغة التقنية البراقة تخفي سؤالاً سياسياً بسيطاً؛ من يحدد معنى الاشتباه، ومن يملك حق الوصول للصور، ومن يراجع قرارات المنظومة عندما تخطئ أو تستهدف أبرياء.

 

ومن ثم، يصبح مركز القيادة والسيطرة أكثر من غرفة مراقبة، لأنه يجمع صورة المدينة في لحظة واحدة، ويمنح من يديره قدرة واسعة على تتبع الحركة وتحديد التجمعات وربط الوقائع بالأشخاص.

 

كذلك، فإن كلفة المشروع التي قُدرت بنحو 31 مليون دولار تطرح سؤالاً عن أولويات الإنفاق، في بلد يواجه مواطنوه ضغوطاً اقتصادية متصاعدة وخدمات عامة تحتاج إلى تمويل عاجل.

 

لذلك، لا يمكن فصل هذه المنظومة عن طبيعة العاصمة نفسها، فهي مدينة بنيت للنخبة والسلطة والوزارات والسفارات، بينما تُدار شوارعها بمنطق أمني يسبق أي نقاش عن الحقوق والشفافية.

 

وفوق ذلك، فإن الاعتماد على شركة أجنبية في بناء منظومة بهذا الحجم يفتح ملف السيادة الرقمية، لأن البنية الأمنية الذكية ليست خرسانة وكابلات فقط، بل بيانات حساسة وصلاحيات وصول وخوارزميات تشغيل.

 

التعرف على الوجه وسؤال الحرية

 

أوضحت تقارير حقوقية أن المدن الذكية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي والكاميرات والتحليلات الحيوية قد تتحول إلى بنية مراقبة جماعية، خصوصاً عندما تغيب القوانين الصارمة والرقابة المستقلة على استخدام البيانات.

 

بناءً على ذلك، فإن الخطر لا يبدأ فقط من وجود كاميرا، بل من قدرة المنظومة على تحليل الوجوه والسلوك والحركة، ثم تحويل المواطن إلى ملف قابل للتتبع دون علمه أو موافقته.

 

إلى جانب ذلك، قالت مروة فطافطة، مديرة السياسات في منظمة أكسس ناو، إن زرع كاميرات المراقبة في المدينة يمنح السلطات قدرة غير مسبوقة على ضبط المجال العام والتضييق على التجمعات السلمية.

 

وعليه، فإن الحديث عن مكافحة الجريمة لا يكفي لتبرير مراقبة واسعة بهذا الحجم، لأن التقنية التي ترصد السرقة يمكن أن ترصد الاحتجاج، والتجمع، واللقاء السياسي، وحتى الحركة العادية في الشارع.

 

من ناحية أخرى، يرى توني روبرتس، الباحث المتخصص في الحقوق الرقمية بمعهد دراسات التنمية في لندن، أن بيع منظومات مراقبة واسعة للحكومة المصرية يصعب الدفاع عنه أخلاقياً بسبب سجل حقوق الإنسان.

 

وبهذا المعنى، لا تصبح هانيويل مجرد شركة تكنولوجية تنفذ عقداً تجارياً، بل طرفاً في بناء قدرة رقابية قد تستخدم داخل سياق سياسي يضيق على المعارضة والصحافة والاحتجاج والمجتمع المدني.

 

كما تشير الباحثة عفاف عبروقي، في تقرير عن مراقبة المدن الذكية في مصر، إلى أن عهد السيسي شهد توسعاً ملحوظاً في مراقبة المجال العام، قانونياً وعملياً، تحت لافتة المدن الذكية.

 

أما الخطورة الأعمق، فتتمثل في غياب إجابات واضحة عن مدة حفظ البيانات، ومن يملك صلاحية البحث فيها، وهل يستطيع المواطن الاعتراض أو معرفة إن كانت صورته عولجت أو خُزنت.

 

مدينة ذكية أم قفص رقمي

 

رغم أن الحكومة تقدم العاصمة الإدارية باعتبارها مشروعاً للتحديث، فإن التحديث الحقيقي لا يقاس بعدد الكاميرات، بل بوجود ضمانات قانونية تمنع تحول التكنولوجيا إلى أداة قمع ناعمة وفعالة.

 

ثم إن القانون المصري لحماية البيانات الشخصية يطرح مبادئ عامة حول الموافقة والسرية وحماية البيانات، لكن الخطر يبقى في الاستثناءات الأمنية والرقابة المحدودة على مؤسسات الدولة عندما يتعلق الأمر بالمراقبة.

 

ولذلك، فإن أي منظومة كاميرات وتحليلات وجهية أو سلوكية تحتاج إلى إعلان واضح عن الأساس القانوني، ونطاق الاستخدام، وآليات الشكوى، وحدود التخزين، والجهة المستقلة التي تراجع الانتهاكات.

 

إضافة إلى ذلك، فإن مراقبة المدينة لحظة بلحظة لا تعني بالضرورة إدارة أفضل، فقد تنتج مدينة أكثر انضباطاً في الصورة، لكنها أقل حرية وأكثر خوفاً في حياة سكانها اليومية.

 

كما أن تحويل كل عمود إنارة وكاميرا وتطبيق إلى جزء من شبكة بيانات يخلق علاقة غير متكافئة بين الدولة والمواطن، حيث تعرف السلطة الكثير عنه، بينما لا يعرف هو شيئاً عن السلطة.

 

في المقابل، لا ينكر أحد أهمية الأمن ومواجهة الجريمة والحوادث، لكن الأمن في دولة القانون لا يعني مراقبة شاملة بلا حدود، ولا يبرر بناء مدينة يرى فيها النظام كل شيء.

 

ومن جهة أخرى، فإن غياب الشفافية حول الشركات الفرعية والشركاء المحليين وآليات الصيانة والتحديث يضع المشروع أمام أسئلة إضافية، لأن منظومات المراقبة لا تعمل مرة واحدة، بل تتوسع وتتعلم وتتصل ببيانات أخرى.

 

هكذا، تتحول العاصمة الإدارية من وعد بمدينة مستقبلية إلى نموذج مقلق لدولة المراقبة، حيث لا يعود المواطن مجرد ساكن أو عابر، بل هدفاً محتملاً لعين رقمية لا تنام.

 

وفي النهاية، لا تكمن المشكلة في الكاميرات وحدها، بل في سلطة تملك 6000 عين ولا تقدم للمواطنين ضمانة واحدة كافية، فتجعل المدينة الذكية أقرب إلى قفص رقمي باسم الحداثة.