وثقت شكاوى أهالي الخصوص بالقليوبية، منذ 2016، أزمة مياه شرب داكنة وكريهة تهدد أكثر من 2 مليون مواطن، وسط روايات عن اختلاطها بالصرف الصحي، وتحذيرات خبراء من كارثة صحية واسعة.

 

في المقابل، تكشف الواقعة وجهًا قاسيًا من إدارة المرافق في مصر، حيث يطارد الفقراء قطرة ماء نظيفة، بينما يختبئ المسؤولون خلف نفي الشكاوى، وكأن الحق في الحياة رفاهية لا التزام دستوري.

 

كارثة يومية تحت الإنكار

 

منذ سنوات، لم تعد المياه السوداء الخارجة من صنابير الخصوص مشهدًا عابرًا، بل صارت جزءًا من يوميات أسر فقيرة تستخدمها مضطرة في الغسيل والاستحمام، وتبحث عن بدائل مكلفة للشرب والطهي.

 

لذلك، تبدو مأساة عفاف نموذجًا صارخًا لانهيار الخدمة، فهي تشتري المياه المعدنية أحيانًا لحماية ابنتيها المريضتين، ثم تعود لحمل المياه من صنبور عام بعيد حين تخنقها كلفة المعيشة.

 

وبينما تتحدث الحكومة عن مشروعات مرافق ضخمة، تقول سعاد محمد إن رائحة الصرف تلاحق المياه داخل الزجاجات، وإن الفلتر يتلف سريعًا، بعدما صار عاجزًا عن مقاومة ملوحة اللون ونتانة الرائحة.

 

غير أن الشكاوى لا تقف عند الاستخدام المنزلي، إذ تتحدث منى إبراهيم عن 10 سنوات من الاعتماد على طلمبات ومصادر خارجية، بعد تجاهل بلاغات الأسرة وشكاوى الجيران لشركة المياه.

 

علاوة على ذلك، يربط الأهالي بين المياه الملوثة وأمراض خطيرة أصابت بعض السكان، من الفشل الكلوي إلى مشكلات الكبد، في ظل غياب تحقيق رسمي معلن يطمئن الناس أو يحاسب المقصرين.

 

كذلك، يحذر هاني رمزي، متابع شكاوى الخصوص ميدانيًا، من أن جذور الأزمة تمتد إلى شبكات متهالكة ووصلات عشوائية ومواسير صرف قديمة، تحاصر المدينة تحت الأرض وتعيد إنتاج التلوث يوميًا.

 

شبكات متهالكة ومدينة خارج الحساب

 

في المقابل، تكشف الأزمة عن فجوة أعمق بين عدد السكان الفعلي والتقديرات الرسمية، إذ يعيش في الخصوص مئات الآلاف من الوافدين غير المسجلين عليها، بينما تُحسب الخدمات على أرقام أقل بكثير.

 

ثم إن الكثافة السكانية الهائلة جعلت الشبكات القديمة عاجزة عن حمل الضغط، فكل انقطاع للمياه يتبعه عودة بلون أصفر أو داكن، ورائحة كريهة يرى الأهالي أنها لا تترك مجالًا للإنكار.

 

ومن ثم، يتحول غياب البنية التحتية إلى عقوبة جماعية، فالمواطن الذي لا يملك ثمن المياه المعدنية يضطر لشرب المجهول، والذي يركب فلترًا يكتشف أن شموعه تنهار خلال أسبوع بدل أشهر.

 

بناءً على ذلك، يرى خبير المياه ضياء القوصي أن اختلاط مياه الشرب بالصرف قد يحدث عند وجود تسرب أو ضعف ضغط، فتسحب الطلمبات مياهًا ملوثة بدل المياه النظيفة من الخطوط.

 

مع ذلك، لا يتوقف الخطر عند الرائحة واللون، إذ يحذر القوصي من أمراض معوية خطيرة وانتشار أوبئة مثل الكوليرا عند استمرار التلوث، مطالبًا شركة المياه بتحرك عاجل لمنع التسرب.

 

ولأن المشكلة فنية وإدارية معًا، فإن الحل لا يقتصر على غسل الشبكات أو مطالبة السكان بإحضار عينات، بل يتطلب كشفًا شاملًا على الخطوط والوصلات والطلمبات ومواسير الصرف غير الرسمية.

 

كما أن ربط الأزمة بأعمال السباكة الداخلية وحدها يبدو هروبًا من المسؤولية، لأن الشكاوى متكررة في شوارع ومناطق مختلفة منذ سنوات، بما يجعلها أزمة مرفق عام لا مشكلة شقة منفردة.

 

فضلا عن ذلك، يفتح حديث التجديد السنوي لبعض الشبكات سؤالًا أكثر خطورة، فإذا كانت الدولة تعرف التهالك وتخصص ميزانيات متغيرة، فلماذا لا تعلن خريطة الأعطال والمناطق المتضررة وخطة الإصلاح.

 

مسؤولون ينفون والحق في الماء يحاكمهم

 

في المقابل، ينفي نائب رئيس حي الخصوص تلقي شكاوى رسمية، رغم انتشار الاستغاثات على صفحات الأهالي، ورغم تأكيد متابعين محليين أنهم ينقلون البلاغات للشركة بصورة شبه يومية.

 

وبدلا من فتح تحقيق علني، يطالب المسؤول السكان بالحضور بعينات مياه، وكأن المواطن المقهور مطالب بإثبات الكارثة وحده، بينما أجهزة الدولة تملك المعامل والخرائط والفرق الفنية والسلطة.

 

ورغم أن الدستور المصري ينص على حق المواطن في ماء نظيف، فإن واقع الخصوص يقول إن النصوص لا تحمي الفقراء حين تتحول الحنفية إلى مصدر خوف ومرض وكلفة يومية.

 

لذلك، يؤكد المحامي الحقوقي هيثم محمدين أن ثبوت تلوث المياه يمثل إضرارًا بالصحة العامة، ويمنح الأهالي حق اللجوء للنيابة ضد شركة المياه والصرف الصحي والجهات المقصرة.

 

إضافة إلى ذلك، يوصي محمدين الأهالي بتحليل عينات من الخطوط المتصلة بمنازلهم عبر معامل الصحة، والحصول على تقارير مكتوبة، حتى لا تبقى الشكاوى معلقة بين إنكار رسمي واستغاثات إلكترونية.

 

وعلى المستوى الرسمي، يفرض قرار وزارة الصحة رقم 182 لسنة 2025 معايير لصلاحية المياه، ويجعل التحاليل مسؤولية معامل الصحة، بما يعني أن اللون والرائحة ليسا تفصيلًا هامشيًا.

 

وبحسب قانون تنظيم مرفق مياه الشرب والصرف الصحي رقم 172 لسنة 2025، لم تعد المسألة خدمة محلية فقط، بل مرفقًا منظمًا يفترض أن يضمن الجودة وحماية المستهلك والمساءلة.

 

وفي السياق الأوسع، تبدو الخصوص جزءًا من أزمة مائية أكبر، إذ تعلن وزارة الري أن احتياجات مصر تصل إلى 114 مليار متر مكعب سنويًا، مقابل موارد لا تتجاوز 59.6 مليار.

 

في النهاية، تكشف الخصوص أن العجز ليس في المياه وحدها، بل في الإدارة والرقابة والشفافية، حيث يهدر التهالك كميات ثمينة، ويترك المواطنين بين الحنفية الملوثة وزجاجة لا يملكون ثمنها.

 

أما استمرار الصمت، فيعني تحويل مدينة كاملة إلى معمل مفتوح للأمراض، بينما كل مسؤول ينتظر شكوى رسمية، وكل أسرة تنتظر ماء نظيفًا لا يحمل لون الصرف ولا رائحته.

 

أخيرا، يحتاج ملف الخصوص إلى تحقيق عاجل معلن، ونشر نتائج التحاليل، وخطة إحلال للشبكات، ومحاسبة المتسببين، قبل أن تتحول الحكايات الفردية إلى مأساة جماعية يدفع ثمنها 2 مليون مواطن.