دخلت مصر، مع الذكرى 13 لأحداث 30 يونيو 2013، مرحلة كشف سياسي واقتصادي كاملة، بعدما تحولت وعود الإنقاذ والاستقرار إلى ديون خانقة وقمع واسع وانهيار معيشة يطارد أغلب المصريين.
في المقابل، لم تكن 30 يونيو مجرد لحظة احتجاج عابرة، بل بابا لعودة حكم القوة وإغلاق السياسة، حين دفع المصريون ثمن إسقاط أول تجربة انتخابية حقيقية من دمهم وحريتهم ورغيفهم.
انقلاب على الديموقراطية وبداية دولة الصوت الواحد
منذ البداية، جرى تقديم 30 يونيو باعتبارها موجة شعبية لإنقاذ الدولة، غير أن النتيجة الفعلية كانت عزل أول رئيس مدني منتخب، وتعطيل المسار الديموقراطي، وإعادة مركز السلطة إلى المؤسسة العسكرية.
وبالتالي، لم تنتقل السلطة إلى مدنيين كما زعم كثيرون، بل دخلت البلاد في خريطة طريق قادتها الدبابة، ثم أعادت إنتاج حكم الفرد الواحد تحت لافتات الاستقرار ومحاربة الفوضى.
كما أن القوى المدنية التي شاركت أو صمتت وجدت نفسها لاحقا خارج المجال العام، بعدما اكتشفت أن الانقلاب العسكري لا يفتح طريق الديمقراطية، بل يغلق أبواب السياسة على الجميع.
لذلك، يرى الباحث يزيد صايغ أن ما حدث بعد 2013 أعاد تشكيل الدولة حول مركز عسكري أوسع نفوذا، حيث تمددت المؤسسة العسكرية في الإدارة والاقتصاد والعقود والمشروعات العامة.
ومن ثم، تحولت الدولة من مساحة تنافس سياسي إلى جهاز تعبئة وخضوع، لا يسمح إلا بصوت واحد، ولا يعترف بالمعارضة إلا بوصفها تهديدا أمنيا يستحق المطاردة أو السجن.
غير أن أخطر ما خلفته 30 يونيو لم يكن إسقاط رئيس فقط، بل إسقاط فكرة تداول السلطة، لأن الرسالة التي وصلت للمجتمع أن الصندوق لا يحمي صاحبه أمام قرار القوة.
علاوة على ذلك، فتحت مجزرة رابعة وما تلاها صفحة دموية في تاريخ مصر الحديث، إذ صارت الدماء علامة تأسيس لمرحلة جديدة عنوانها الإفلات من المحاسبة وشيطنة الخصوم السياسيين.
بناء على ذلك، لم يعد الحديث عن المصالحة أو المجال العام ممكنا دون مواجهة أصل الجريمة السياسية، لأن دولة تأسست على إنكار الدم لا تستطيع إنتاج عدالة أو ثقة.
اقتصاد القروض وبيع المستقبل
في المحور الاقتصادي، جاءت الوعود برغد العيش سريعا، لكنها انتهت إلى تعويمات متكررة، وغلاء طاحن، وديون خارجية قفزت بصورة كبيرة، حتى صار المواطن يدفع ثمن مشروعات لا يملك قرارها.
ثم إن انهيار قيمة الجنيه لم يكن رقما في نشرات البنوك، بل كان كسرا يوميا في موائد المصريين، حيث ابتلعت الأسعار الدخول، وتحولت الطبقة الوسطى إلى طابور طويل من الخائفين.
ولزيادة الخطر، صارت القروض بديلا عن الإنتاج، والمشروعات الكبرى بديلا عن الأولويات، بينما بقي التعليم والصحة والصناعة خارج قلب القرار، كأن الدولة تبني واجهات خرسانية فوق مجتمع منهك.
في هذا السياق، يرى الباحث الاقتصادي عمرو عادلي أن الاقتصاد المصري ظل محاصرا بفجوات تمويلية واسعة، وأن الاعتماد على الاقتراض يعمق التبعية بدل بناء نموذج تنمية مستقل وعادل.
كذلك، لا يمكن فصل الأزمة عن بيع الأصول، من الأراضي الساحلية إلى الحصص الحكومية في شركات ومرافق، حيث تحولت ممتلكات الدولة إلى طوق إنقاذ مؤقت لنظام غارق في الديون.
ومن ناحية أخرى، تكشف صفقات مثل رأس الحكمة أن السلطة لم تعد تملك سوى بيع المواقع الاستراتيجية لجلب الدولار، بينما يبقى السؤال معلقا حول الكلفة السيادية والاجتماعية لهذا المسار.
فضلا عن ذلك، لم تحقق الوعود الرسمية بإنقاذ الفقراء سوى مزيد من الضغط، إذ صارت الكهرباء والوقود والغذاء رهينة لشروط تمويلية قاسية، يدفع ثمنها المواطن لا أصحاب القرار.
وعليه، فإن حصاد 30 يونيو اقتصاديا لا يقاس بعدد الكباري والعواصم الجديدة، بل بحجم الديون، وانهيار العملة، وتآكل الدخل، واتساع الفقر، وتحول الدولة إلى بائع دائم لأصولها.
سجن كبير باسم الاستقرار
أما سياسيا، فقد تحولت مصر بعد 2013 إلى ساحة مغلقة، لا أحزاب حقيقية، ولا صحافة حرة، ولا انتخابات تنافسية، ولا مجال عام يسمح للمواطن بأن يختلف دون خوف.
في المقابل، تتحدث منظمات حقوقية دولية عن آلاف المحتجزين في قضايا ذات طابع سياسي، وعن حبس احتياطي طويل، ومحاكمات غير عادلة، وقوانين تستخدم لإسكات المعارضة والنشطاء.
كما أن الحقوقي بهي الدين حسن حذر مبكرا من فراغ سياسي خطير، ومن أن ضرب المجال الحقوقي والسياسي لا يحمي الدولة، بل يتركها بلا وسائط مدنية قادرة على امتصاص الغضب.
غير أن السلطة تعاملت مع المجتمع كخصم محتمل، فطاردت الناشط والصحفي والباحث والطالب، حتى أصبح الخوف سياسة عامة، وأصبح الصمت شرطا غير مكتوب للنجاة في المجال العام.
إضافة إلى ذلك، لم يبق القمع محصورا داخل السجون، بل تمدد إلى البيوت وأماكن العمل والجامعات والإعلام، فصار المواطن يشعر أنه يعيش داخل سجن واسع بلا حكم مكتوب.
ومع ذلك، لم يمنح هذا السجن الكبير استقرارا حقيقيا، لأن الاستقرار القائم على الخوف هش بطبيعته، ينهار عند أول أزمة اقتصادية أو سياسية تكشف أن الصمت ليس رضا.
بالمقارنة، كان يوم 12 فبراير 2011 لحظة أمل جماعي، شعر فيها المصريون أن المستقبل مفتوح، بينما تبدو الذكرى 13 لثلاثين يونيو كأنها إعلان طويل عن إغلاق ذلك الباب.
في النهاية، لم تحصد مصر من 30 يونيو سوى دولة أكثر قسوة، واقتصاد أكثر تبعية، ومجتمع أكثر انقساما، وحياة سياسية شبه ميتة، بينما ظل السؤال الأهم بلا إجابة.
أخيرا، لا يحتاج المصريون إلى دعاية جديدة عن الإنقاذ، بل إلى اعتراف صريح بأن الطريق الذي بدأ بإسقاط الديمقراطية انتهى إلى الخوف والديون والبيع، وأن البديل يبدأ باسترداد السياسة والعدالة.

