كشف النائب محمد فاروق يوسف، عبر 4 طلبات إحاطة موجهة إلى وزير الصحة داخل مجلس النواب، أزمة الخدمات الطبية في بني سويف، بعدما تحولت شكاوى الأهالي إلى ملف رقابي يفضح نتيجة واحدة: العلاج غائب.
وبالتالي، لم تعد الأزمة مجرد خلل إداري داخل وحدات صحية متفرقة، بل صارت عنواناً سياسياً وإنسانياً لفشل سلطة ترفع شعارات التنمية، بينما يطارد المواطن البسيط طبيباً أو دواء أو سرير عناية فلا يجده.
وحدات صحية بلا أطباء
تواجه قرى بني سويف النائية مشهداً قاسياً، حيث تبدو الوحدات الصحية أقرب إلى مبان رسمية خالية من روح الخدمة، بعد عجز الأطباء ونقص الأدوية والمستلزمات، وهو ما يدفع المرضى إلى السفر المكلف طلباً للعلاج.
كما أن غياب الطبيب المقيم يحول الحالات الطارئة إلى سباق مع الوقت، خصوصاً في القرى البعيدة عن المدن، حيث لا يملك المريض رفاهية الانتظار، ولا تملك أسرته غالباً ثمن الانتقال أو العلاج الخاص.
لذلك، تصبح الوحدة الصحية حين تكتفي بتسجيل المواليد والوفيات شاهداً على تراجع الدولة عن واجبها الأساسي، لأن الرعاية الأولية ليست دفتر إجراءات، بل خط الدفاع الأول أمام المرض والفقر والموت الصامت.
ومن ثم، فإن حديث الأهالي عن مبان بلا أطباء وأرفف بلا دواء لا يعكس مبالغة شعبية، بل يصف انهياراً يومياً في أبسط مستويات الخدمة، حيث يتحول حق العلاج إلى رحلة إهانة وانتظار.
غير أن الخلل لا يقف عند نقص طبيب أو دواء، بل يمتد إلى غياب الرقابة الفعلية على الحضور والانضباط، بما يفتح الباب أمام وحدات تعمل بالاسم فقط، بينما يدفع المواطن ثمن الغياب مرتين.
علاوة على ذلك، يرى الخبير الصحي علاء غنام أن أزمة النظام الصحي المصري ترتبط بضعف الموارد البشرية واللوجستية داخل القطاع الحكومي، وهو توصيف يفسر لماذا تتحول قرى مثل بني سويف إلى مناطق محرومة طبياً.
بناءً على ذلك، يصبح مطلب الأهالي بتفعيل رقابة صارمة على حضور الأطباء مطلباً عادلاً لا ترفاً رقابياً، لأن الطبيب الغائب في قرية فقيرة يعني تأخير تشخيص، ومضاعفة ألم، وربما فقدان حياة.
في المقابل، تتعامل الحكومة غالباً مع الأزمات الصحية بمنطق التصريحات الواسعة، بينما تكشف التفاصيل المحلية أن المواطن لا يحتاج خطابات، بل يحتاج طبيباً حاضراً، علاجاً متاحاً، وسيارة إسعاف تصل قبل فوات الأوان.
مستشفيات مركزية تحت الضغط
تتجسد الأزمة داخل المستشفيات المركزية بصورة أكثر ازدحاماً، فالأقسام الحيوية تستقبل أعداداً تفوق طاقتها، خصوصاً العناية المركزة وحضانات الأطفال المبتسرين، بينما تتحول قوائم الانتظار إلى عقوبة مفتوحة للمرضى وذويهم.
كذلك، تتكرر شكاوى تعطل أجهزة الرنين المغناطيسي والأشعة المقطعية، وهي ليست أجهزة رفاهية، بل أدوات تشخيص حاسمة، وتعطلها يعني تأخر قرار العلاج وإجبار المرضى على دفع تكلفة الفحص خارج المستشفى.
لزيادة الضغط، تتباعد مواعيد العمليات الجراحية بسبب قوائم انتظار طويلة، فيجد المريض نفسه بين ألم لا ينتظر ونظام بطيء لا يتحرك، بينما تتحول المستشفى من ملاذ إلى محطة انتظار مرهقة.
ومن ناحية أخرى، يكشف التأخر في استكمال إنشاء وتطوير مستشفى ناصر المركزي عن أزمة أعمق من نقص التجهيزات، لأنه مشروع يخدم آلاف المواطنين، ومع ذلك ظل معلقاً سنوات دون نهاية واضحة.
إضافة إلى ذلك، فإن طلب الإحاطة الخاص بمستشفى ناصر لا يعبر عن ملف محلي ضيق، بل عن نموذج متكرر لمشروعات صحية تبدأ ولا تكتمل، وتترك المرضى في منتصف الطريق بين وعود التطوير وواقع العجز.
في السياق نفسه، حذر الطبيب خالد سمير من أن بيئة العمل الطاردة داخل المستشفيات الحكومية تدفع الأطباء إلى القطاع الخاص أو السفر، وهو ما يجعل نقص الأطباء نتيجة مباشرة لسياسات لا تحمي الفريق الطبي.
وعليه، فإن سد العجز في التمريض والأطباء داخل ناصر والواسطى ليس إجراءً إدارياً، بل شرط لإنقاذ الخدمة نفسها، لأن الأجهزة بلا كوادر تصبح ديكوراً مكلفاً، والسرير بلا طبيب لا ينقذ مريضاً.
وبالمثل، يصبح نقص بعض التخصصات الطبية دليلاً على خلل في توزيع الموارد البشرية، إذ لا يمكن مطالبة مواطن فقير بقطع مسافات طويلة للحصول على خدمة كان يفترض أن يجدها داخل مركزه.
طلبات إحاطة تكشف عمق الفشل
طرح النائب محمد فاروق يوسف 4 طلبات إحاطة، بدأها بتأخر استكمال مستشفى ناصر المركزي، ثم نقص الأجهزة والتخصصات، ثم تدهور مبنى الإدارة الصحية، ثم عجز الأطباء والتمريض في مستشفيات ووحدات ناصر والواسطى.
وبذلك، لا تبدو طلبات الإحاطة مجرد رصد شكاوى متفرقة، بل خريطة أزمة مكتملة: بنية تحتية متعبة، أجهزة ناقصة، كوادر غير كافية، إدارة صحية متهالكة، ومواطن يدفع ثمن كل هذا من صحته وماله.
كما أن تدهور مبنى الإدارة الصحية في مركز ناصر يضيف بعداً خطيراً للأزمة، لأن الإدارة المفترض أن تراقب الخدمة وتديرها تعمل داخل بيئة غير مناسبة، فكيف تصلح منظومة وهي عاجزة عن إصلاح بيتها الإداري.
فضلاً عن ذلك، فإن غياب بيئة العمل المناسبة لا يضر الموظف فقط، بل ينعكس على سرعة القرار وجودة المتابعة وعدالة توزيع الموارد، بما يجعل الإدارة الصحية جزءاً من الأزمة لا أداة لحلها.
في المقابل، تؤكد منى مينا، القيادية السابقة في نقابة الأطباء، أن إصلاح بيئة العمل وتوفير أجر عادل وحل أزمات الكوادر هو الطريق لمواجهة نقص الأطباء، وهي رؤية تنطبق بوضوح على بني سويف.
لذلك، فإن تحميل المواطن وحده كلفة الذهاب إلى الخاص أو السفر إلى محافظات أخرى يمثل ظلماً مركباً، لأن الدولة التي تفشل في تقديم الخدمة العامة تدفع الفقير عملياً إلى بيع ما يملك من أجل العلاج.
ومن ثم، فإن الحديث عن تطوير الصحة في بني سويف يجب ألا يتوقف عند افتتاحات أو صور رسمية، بل يبدأ من جدول زمني معلن لمستشفى ناصر، وتوفير أطباء مقيمين، وإصلاح الأجهزة، ومحاسبة المقصرين.
ختاماً، تكشف بني سويف وجهاً صارخاً لأزمة الصحة في مصر: قرى تبحث عن طبيب، مستشفيات تختنق بالمرضى، وطلبات إحاطة تفضح التقصير، بينما يبقى السؤال الأهم: متى يصبح علاج الفقراء حقاً لا منة.

