منذ وصول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة عقب انقلاب عسكري دموي في يوليو 2013، ظل ملف السيادة على الأراضي والثروات المصرية واحدًا من أكثر القضايا إثارةً للجدل في الداخل المصري.
فبينما يؤكد الانقلاب العسكري أن جميع الاتفاقيات التي أبرمتها الدولة جاءت وفقًا للقانون وحققت مصالح استراتيجية واقتصادية لمصر، ترى قوى معارضة وشخصيات سياسية أن السنوات الماضية شهدت سلسلة من التنازلات التي مست الأراضي المصرية والحقوق البحرية والمائية، معتبرة أن ما جرى يمثل أكبر عملية تفريط في مقدرات الدولة الحديثة.
ويستند هذا الجدل إلى عدد من الملفات التي شغلت الرأي العام، بداية من قضية جزيرتي تيران وصنافير، مرورًا باتفاقيات ترسيم الحدود البحرية، ووصولًا إلى أزمة سد النهضة، فضلًا عن اتهامات متكررة للنظام بالترويج لمشروعات إقليمية، تهديدًا للسيادة المصرية، وعلى رأسها ما أثير بشأن سيناء.
اتهامات قديمة بشأن سيناء تعود إلى الواجهة
عاد الحديث مجددًا عن سيناء بعد تداول تصريحات نسبت إلى الوزير الإسرائيلي السابق أيوب قرا، قال فيها إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيناقشان خطة تقوم على إقامة دولة فلسطينية في قطاع غزة وأجزاء من سيناء، زاعمًا أن الفكرة ترتبط بمبادرة عبد الفتاح السيسي.
وجاءت هذه التصريحات لتعيد إلى الواجهة تقارير إسرائيلية سابقة، أبرزها ما نشرته إذاعة جيش الاحتلال عام 2014، والتي ادعت أن القاهرة عرضت على الرئيس الفلسطيني محمود عباس إقامة دولة فلسطينية في مساحة من شمال سيناء، مقابل تسوية نهائية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ورغم أن سلطات السيسي نفت مرارًا أي حديث عن التنازل عن جزء من سيناء أو المساس بسيادتها، فإن هذه التقارير ظلت حاضرة في خطاب المعارضة التي اعتبرت مجرد تداول مثل هذه الطروحات مؤشرًا على وجود ضغوط إقليمية ودولية بشأن مستقبل شبه الجزيرة.
تيران وصنافير.. القضية الأكثر إثارة للجدل
تبقى قضية جزيرتي تيران وصنافير الأكثر حضورًا في سجل الجدل السياسي خلال حكم السيسي.
ففي أبريل 2016 وقعت مصر والسعودية اتفاقية لترسيم الحدود البحرية تضمنت انتقال السيادة على الجزيرتين إلى المملكة العربية السعودية، وهو القرار الذي أثار موجة احتجاجات واسعة داخل مصر، وفتح واحدة من أكبر المعارك القضائية والسياسية في تاريخ البلاد الحديث.
وأصدرت محاكم مصرية أحكامًا متعارضة قبل أن يقر البرلمان الاتفاقية ويصدق عليها قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي، لتصبح نافذة بصورة رسمية.
وترى الحكومة أن الجزيرتين سعوديتان بالأصل، وأن الاتفاقية جاءت لتصحيح وضع قانوني قائم منذ عقود، بينما يعتبر معارضون أن ما حدث يمثل أول تنازل رسمي عن جزء من الأراضي المصرية في التاريخ الحديث.
مشروع "نيوم" ومخاوف مرتبطة بجنوب سيناء
أثار انضمام أجزاء من جنوب سيناء إلى النطاق الجغرافي لمشروع "نيوم" السعودي نقاشًا واسعًا داخل مصر، خاصة مع توقيع اتفاقيات تعاون استثماري بين القاهرة والرياض.
ويرى معارضون أن تخصيص أكثر من ألف كيلومتر مربع للمشروع يثير تساؤلات حول مستقبل السيادة الكاملة على تلك المناطق، بينما تؤكد الحكومة أن المشروع لا يتضمن أي نقل للملكية أو السيادة، وإنما يقتصر على استثمارات وتنمية اقتصادية مشتركة تحقق مكاسب للطرفين.
اتفاق المبادئ وسد النهضة
ملف آخر يضعه معارضو قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي ضمن ما يصفونه بالتفريط في الحقوق المصرية، وهو توقيع "اتفاق إعلان المبادئ" الخاص بسد النهضة الإثيوبي عام 2015.
ويعتبر منتقدو الاتفاق أن توقيع القاهرة على الوثيقة منح إثيوبيا اعترافًا سياسيًا وقانونيًا ببناء السد، وأضعف موقف مصر التاريخي في الدفاع عن حصتها من مياه النيل، التي تبلغ وفق الاتفاقيات السابقة 55.5 مليار متر مكعب سنويًا.
ترسيم الحدود البحرية والغاز
أثار توقيع اتفاقيات لترسيم الحدود البحرية مع قبرص واليونان نقاشًا واسعًا بين خبراء القانون الدولي والطاقة.
فقد رأى عدد من الخبراء والدبلوماسيين السابقين أن بعض الاتفاقيات أدت إلى خسارة مصر أجزاء من منطقتها الاقتصادية الخالصة في شرق البحر المتوسط، بما تحتويه من احتياطيات غاز واعدة.
وكان السفير إبراهيم يسري قد أقام دعاوى قضائية طالب فيها بوقف تنفيذ بعض الاتفاقيات، معتبرًا أنها تمثل تفريطًا في الحقوق البحرية المصرية.
كما استند معارضون إلى دراسات وأبحاث قالت إن حقولًا غازية مثل "أفروديت" و"ليفياثان" تقع داخل مناطق كان يمكن أن تكون ضمن الحقوق الاقتصادية المصرية وفق رؤيتهم القانونية.
استيراد الغاز الإسرائيلي
ومن الملفات المثيرة للجدل أيضًا اتفاق استيراد الغاز من إسرائيل، والذي أعلنت عنه القاهرة وتل أبيب عام 2018 بقيمة تجاوزت عشرة مليارات دولار.
واعتبر معارضون أن الاتفاق يحمل مفارقة تتمثل في استيراد مصر للغاز من حقول يقولون إنها تقع داخل نطاق حقوقها البحرية، بينما يرى الانقلاب أن الاتفاق يعزز مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة ويحقق مكاسب اقتصادية للدولة.
مقارنة مع اتهامات وُجهت للرئيس الراحل محمد مرسي
أعاد معارضون التذكير بالحملة الإعلامية التي تعرض لها الرئيس الراحل محمد مرسي، والتي تضمنت اتهامات ببيع سيناء أو قناة السويس أو التنازل عن أراضٍ مصرية، وهي الاتهامات التي لم تثبت بوثائق رسمية.
وفي هذا السياق، سخر وزير العدل الأسبق أحمد سليمان من تلك الاتهامات، معلنًا في منشور شهير رصد جائزة مالية ضخمة لمن يعثر على عقد موقع من مرسي يتضمن بيع قناة السويس أو سيناء أو حلايب وشلاتين أو غيرها من الأراضي المصرية.
ويرى معارضون أن السنوات اللاحقة شهدت انتقال الحديث من مجرد اتهامات سياسية إلى اتفاقيات رسمية تتعلق بالأراضي والحدود والموارد الطبيعية في عهد الانقلاب العسكري.
خسائر تتجاوز الجغرافيا
ولا يقتصر الجدل على الأراضي فقط، إذ يرى معارضون أن مصر شهدت خلال السنوات الماضية تراجعًا في نفوذها الإقليمي، إلى جانب تصاعد الدين الخارجي وبيع حصص من الأصول العامة ضمن برامج الطروحات الحكومية، معتبرين أن ذلك يمثل امتدادًا لما يصفونه بالتفريط في مقدرات الدولة.

