أعلنت وزارة الدفاع الروسية إسقاط 389 طائرة مسيرة أوكرانية خلال الليلة الماضية، في واحدة من أوسع موجات الهجمات الجوية التي تستهدف الأراضي الروسية، وسط تصعيد عسكري يمتد من مناطق الجنوب الغربي إلى العاصمة موسكو وشبه جزيرة القرم والبحرين الأسود وآزوف.
ويأتي الهجوم الواسع في وقت تستمر فيه المواجهات بين روسيا وأوكرانيا بالتوازي مع جهود سياسية لإنهاء الحرب التي بدأت في فبراير 2022، بعد مفاوضات جرت في جنيف بين موسكو وواشنطن وكييف، بينما تتحدث تقارير عن جولة جديدة مرتقبة لمواصلة النقاش بشأن التسوية.
ويكشف اتساع رقعة المناطق التي أعلنت روسيا تعرضها للمسيرات عن تحول الطائرات من دون طيار إلى أداة رئيسية في الحرب، بعدما أصبحت الهجمات تصل إلى عشرات المقاطعات والمناطق الاستراتيجية خلال ليلة واحدة، في محاولة لنقل الضغوط العسكرية إلى عمق الأراضي الروسية.
وفي المقابل، تتمسك موسكو بتوسيع نطاق عملياتها العسكرية وإبعاد مناطق القتال عن حدودها، فيما تسعى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى دفع الأطراف نحو تسوية سياسية تقوم، وفق المسودة المتداولة، على تنازلات إقليمية أوكرانية والاعتراف بالأمر الواقع في مناطق تسيطر عليها روسيا.
389 مسيرة في ليلة واحدة والهجمات تمتد من الحدود إلى موسكو والقرم
قالت وزارة الدفاع الروسية إن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت ودمرت 389 طائرة مسيرة أوكرانية خلال الليلة الماضية، في هجوم شمل عدداً واسعاً من المناطق الروسية وامتد إلى مواقع بعيدة عن خطوط المواجهة المباشرة.
وشملت قائمة المناطق التي أعلنت الوزارة استهدافها مقاطعات بيلغورود وبريانسك وفلاديمير وكالوغا وكورسك وليبيتسك ولينينغراد ونوفغورود وأوريول وبسكوف وروستوف وريازان وساراتوف وسمولينسك وتفير وتولا.
وامتدت الهجمات، بحسب الرواية الروسية، إلى إقليم كراسنودار والعاصمة موسكو وشبه جزيرة القرم، إضافة إلى أجواء بحر آزوف والبحر الأسود، ما يكشف اتساع النطاق الجغرافي للعملية مقارنة بالهجمات التي تركز على المناطق الحدودية فقط.
ويضع هذا الانتشار الواسع أنظمة الدفاع الجوي الروسية تحت ضغط متواصل، إذ يتطلب التعامل مع مئات الطائرات المسيرة في ليلة واحدة توزيع قدرات الرصد والاعتراض على مناطق متباعدة تمتد عبر مساحة واسعة من البلاد.
وتواصل القوات الأوكرانية استهداف مناطق جنوب غربي روسيا بالطائرات المسيرة والصواريخ بصورة شبه يومية، في إطار مسار تصعيدي أصبح جزءاً ثابتاً من الحرب بين البلدين، بعدما انتقلت المواجهات الجوية إلى عمق أكبر داخل الأراضي الروسية.
ويعكس استخدام مئات المسيرات خلال موجة واحدة قدرة أوكرانيا على تنفيذ هجمات كثيفة ومتزامنة، بينما تراهن موسكو على شبكات الدفاع الجوي لمنع هذه العمليات من تحقيق أهدافها وتقليل آثارها العسكرية والاقتصادية.
ومع ذلك، لا تقاس خطورة هذه الهجمات بعدد المسيرات التي تصل إلى أهدافها فقط، إذ تفرض عمليات الاعتراض نفسها حالة استنفار واسعة وتدفع روسيا إلى توزيع قواتها ووسائل دفاعها على عشرات المناطق.
كما أن استهداف موسكو والقرم والبحر الأسود يمنح الهجمات أبعاداً سياسية واستراتيجية تتجاوز مناطق الحدود، خاصة في ظل أهمية هذه المواقع داخل الحسابات العسكرية والأمنية الروسية خلال الحرب المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات.
بوتين يدفع نحو إبعاد الحرب عن الحدود وتوسيع مناطق السيطرة
جاء الهجوم الأوكراني الجديد في وقت يؤكد فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضرورة توسيع نطاق العمليات العسكرية بهدف إبعاد مصادر التهديد عن الأراضي الروسية، بما يشمل المناطق التي تعتبرها موسكو جزءاً منها.
ويرتبط هذا التوجه، وفق الموقف الروسي، بمدى الصواريخ والأسلحة الغربية المستخدمة في استهداف الأراضي الروسية، إذ ترى موسكو أن حماية مناطقها تتطلب دفع خطوط القتال إلى مسافات أبعد من نطاق وصول هذه الأسلحة.
وكان بوتين قد تحدث عن توسيع منطقة أمنية عازلة، في إطار الرؤية الروسية الهادفة إلى إبعاد مصادر الهجمات عن الأراضي التي تسيطر عليها موسكو، وهو مسار يربط التحركات الميدانية مباشرة بالتهديدات الصاروخية والمسيرات.
وبالتالي، فإن الهجمات الأوكرانية بعيدة المدى تمنح القيادة الروسية مبرراً إضافياً للدفع نحو مزيد من التقدم العسكري، بينما ترى كييف أن ضرب العمق الروسي وسيلة للرد على العمليات التي تستهدف المدن والبنية التحتية الأوكرانية.
وتكشف هذه المعادلة عن دائرة تصعيد يصعب كسرها عسكرياً، إذ تستخدم أوكرانيا المسيرات والصواريخ للضغط داخل روسيا، بينما ترد موسكو بتوسيع العمليات والسعي إلى إبعاد خطوط المواجهة بصورة أكبر.
وفي ظل استمرار هذا السباق، يصبح كل هجوم واسع جزءاً من معركة أكبر حول شكل الحدود ومناطق السيطرة ومستقبل التسوية، وليس مجرد عملية عسكرية منفصلة تنتهي بانتهاء ليلة من القصف والاعتراض.
كما أن اتساع العمليات الجوية يزيد صعوبة التوصل إلى وقف سريع للقتال، لأن كل طرف يسعى إلى تحسين موقعه العسكري قبل أي اتفاق سياسي محتمل، ويستخدم التطورات الميدانية لتعزيز شروطه على طاولة المفاوضات.
ومن هنا، تبدو معركة المسيرات مرتبطة بصورة مباشرة بالمفاوضات، فنجاح أحد الطرفين في فرض ضغوط أكبر قد يتحول إلى ورقة تفاوضية عند بحث وقف النار أو الحدود أو الضمانات الأمنية.
مفاوضات جنيف وخطة ترامب بين وقف الحرب والتنازلات الإقليمية
في موازاة التصعيد العسكري، جرت مفاوضات بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا بشأن تسوية النزاع في مدينة جنيف السويسرية يومي 17 و18 فبراير، في محاولة جديدة لفتح مسار سياسي لإنهاء الحرب.
واستمرت المحادثات في يومها الأول نحو 6 ساعات، قبل أن تتواصل في اليوم الثاني لنحو ساعتين، ما يعكس صعوبة الملفات المطروحة وحجم الخلافات التي لا تزال تفصل بين مواقف الأطراف.
ووصف رئيس الوفد الروسي فلاديمير ميدينسكي المفاوضات بأنها صعبة لكنها عملية، بينما أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن لقاء جديداً سيعقد قريباً لمواصلة النقاش حول فرص التسوية.
وأشارت معلومات إلى احتمال استئناف المفاوضات خلال الأسبوع المقبل في جنيف، من دون حسم مشاركة ممثلين عن الولايات المتحدة في الجولة الجديدة، ما يترك شكل المسار التفاوضي مفتوحاً أمام ترتيبات إضافية.
وتدخل إدارة ترامب هذا الملف وهي ترفع شعار إنهاء الحرب، بعدما جعل الرئيس الأمريكي التفاوض بين موسكو وكييف أحد محاور سياسته الخارجية، مؤكداً أن الحل النهائي للصراع يتطلب الوصول إلى تسوية سياسية.
وتسعى الخطة الأمريكية، وفق المسودة المشار إليها في المادة، إلى قبول كييف بالتنازل عن بعض الأراضي لروسيا، إلى جانب اعتراف الولايات المتحدة بحكم الواقع في شبه جزيرة القرم والمناطق التي استحوذت عليها موسكو.
وتتضمن الخطة كذلك تقليص حجم الجيش الأوكراني، وهو بند شديد الحساسية بالنسبة إلى كييف، التي تنظر إلى قدراتها العسكرية باعتبارها الضمان الرئيسي لمواجهة أي تهديد روسي مستقبلي.
وفي المقابل، ترى موسكو أن أي تسوية يجب أن تعالج ما تصفه بالأسباب الأساسية للصراع، وتمنع استخدام الأراضي الأوكرانية في تشكيل تهديد عسكري مباشر للأمن الروسي.
وهكذا تتحرك الحرب على مسارين متوازيين ومتعارضين، إذ تتساقط مئات المسيرات فوق الأراضي الروسية بينما يجلس المفاوضون لبحث إنهاء القتال، من دون أن يظهر حتى الآن أن التصعيد العسكري فقد دوره في تحديد شروط التسوية.
ويكشف إسقاط 389 مسيرة خلال ليلة واحدة حجم الفجوة بين الحديث عن السلام وواقع الميدان، فكلما اقتربت الأطراف من جولة تفاوضية جديدة، تستمر الحرب في إنتاج موجات أكبر من الهجمات والتصعيد.
وبين خطة ترامب، ومطالب موسكو، وحسابات كييف، تبقى التسوية محكومة بما يحدث على الأرض، بينما تؤكد ليلة المسيرات أن الطريق إلى إنهاء الحرب لا يزال محاطاً بصراع عسكري واسع يمكنه في أي وقت تقويض المسار السياسي.

