كشفت مناقشات لجنة الشؤون الدينية والأوقاف بمجلس النواب وصول إيجار بعض أراضي هيئة الأوقاف المصرية إلى 55 ألف جنيه سنويا للفدان في محافظات مصر، وسط صرخات مزارعين يطالبون الوزير أسامة الأزهري بالتدخل قبل ترك الأرض.
ويضع هذا التصعيد آلاف الأسر الريفية أمام ضغط معيشي قاس، بعدما صار الفلاح مطالبا بدفع إيجارات ضخمة إلى جهة حكومية، بينما يواجه وحده ارتفاع الأسمدة والوقود والتقاوي وتراجع العائد، وسط غياب حل مباشر من الوزير.
وتدير هيئة الأوقاف نحو 265 ألف فدان من الأراضي الزراعية المؤجرة لمزارعين في محافظات مختلفة، فيما تكشف الشكاوى المتصاعدة أن الأزمة لم تعد حالات فردية، بل تهديدا واسعا لصغار المستأجرين واستمرارهم في الزراعة.
صرخات المزارعين تصطدم بقفزة الإيجارات
وبالتالي، لم تعد القضية خلافا على تعديل محدود، بعدما ارتفع الإيجار في بعض المناطق من 18 ألف جنيه إلى نحو 48 ألفا، ووصل إلى 55 ألفا في أراض تصنفها الهيئة ضمن المناطق المميزة.
كما أن صرخات المزارعين وصلت إلى البرلمان عبر طلبات إحاطة قدمها نواب عدة، تحدثوا عن زيادات مبالغ فيها وتعنت في الاستبدال ومنع صرف الأسمدة، وهي أعباء تضيق الخناق على الفلاح داخل الموسم نفسه.
وفي هذا السياق، طالب وكيل لجنة الشؤون الدينية والأوقاف طارق المحمدي بمراجعة القيم الجديدة ورفع الغرامات عن المتعثرين، مؤكدا أن المزارعين يمثلون ركنا أساسيا للأمن الغذائي ويستحقون مراعاة أوضاعهم الاقتصادية.
ومن جهة أخرى، اقترح المحمدي توزيع الزيادات على 4 سنوات، مع إعفاء صغار المزارعين من الغرامات وتبسيط إجراءات الاستبدال وتسهيل الحصول على مستلزمات الإنتاج، بدلا من فرض القفزة كاملة دفعة واحدة.
وعلى هذا الأساس، قال نقيب الزراعيين سيد خليفة إن القفزة من 18 ألف جنيه إلى 48 ألفا دفعة واحدة لا يحتملها صغار المزارعين، وطالب بالتدرج في الزيادة والتفريق بين أوضاع الأراضي والمستأجرين.
وفوق ذلك، شدد خليفة على أن الحفاظ على موارد الأوقاف لا يبرر تحميل الفلاح زيادة مفاجئة تهدد استمراره، خصوصا مع ارتفاع كلفة الزراعة وانخفاض قدرة صغار المنتجين على تحمل التزامات جديدة.
لذلك، تبدو مسؤولية الوزير أسامة الأزهري مباشرة سياسيا وإداريا، لأن الأزمة تخص هيئة تتبع وزارته، بينما لم يظهر في الوقائع المعروضة تدخل حاسم منه لوقف القفزات أو حماية المتعثرين من الغرامات.
وفي المقابل، قال رئيس هيئة الأوقاف خالد الطيب إن لجنة متخصصة قدرت الإيجارات وفقا لأسعار المثل، وإن الأسعار جاءت أقل بنسبة 5 بالمئة، لكن نوابا طالبوا بإظهار الدراسة السعرية التي استندت إليها الهيئة.
وبناء على ذلك، طالب النائب طارق خليفة بعرض الأسس الفعلية للتقييم، واقترح زيادة سنوية قدرها 25 بالمئة على مدار 4 سنوات، حتى لا تتحول الزيادة المفاجئة إلى صدمة مالية تطرد المزارعين من الأرض.
الفلاح بين إيجار الأرض وتكاليف الزراعة
أما المشكلة الأعمق، فتظهر في أن الفلاح لا يدفع الإيجار وحده، بل يتحمل أسعار الوقود والأسمدة والتقاوي والمبيدات وأجور العمال والنقل، وهي تكلفة تلتهم عائد المحصول قبل أن يبدأ الموسم التالي.
وعلاوة على ذلك، وصف نقيب الفلاحين حسين أبو صدام رفع الإيجار إلى 54 ألف جنيه في بعض المناطق بأنه قرار غير عادل وخراب بيوت، محذرا من خسائر قد تدفع صغار المزارعين إلى ترك الأرض.
وبحسب أبو صدام، لا يجوز مساواة أراضي الأوقاف بالأراضي المجاورة بصورة آلية، لأن مستأجرين كثيرين أنفقوا سنوات في استصلاح الأرض وتطويرها، بينما تتجاهل التقييمات الجديدة ما تحملوه من تكاليف سابقة.
ولهذا، لا يقف أثر الزيادة عند عقد الإيجار، لأن خروج مزارع صغير من الأرض يعني تراجعا في الإنتاج المحلي وضغطا إضافيا على الغذاء، في بلد يعاني أصلا من كلفة الاستيراد ونقص العملة الأجنبية.
وفي الوقت نفسه، يرى الخبير الزراعي سعد نصار أن الزيادات الأخيرة لا تتناسب مع عائد الأرض بعد ارتفاع مستلزمات الإنتاج، وهو ما يجعل استمرار الزراعة أصعب على المستأجرين محدودي القدرة المالية.
ومن ثم، يصبح الحديث الرسمي عن الأمن الغذائي فارغا إذا كانت جهة حكومية ترفع إيجار الأرض إلى مستوى يعجز عنه المزارع، بينما تظل أسعار السماد والطاقة والنقل خارج سيطرته وأسعار المحاصيل غير مضمونة.
غير أن الأزمة لم تبدأ اليوم، فمنذ 2018 ارتفع متوسط الإيجار في مراحل متتالية من نحو 500 جنيه للفدان إلى 4800 جنيه، ثم إلى 6000 و7200 و9600 جنيه قبل القفزات الأخيرة.
وبعد ذلك، جاءت زيادات نهاية 2024 وخلال 2025 لترفع الإيجارات إلى نطاق بين 30 و48 ألف جنيه في مناطق متعددة، مع وصولها إلى 55 ألفا في بعض الأراضي التي تصفها الهيئة بالمميزة.
أسامة الأزهري غائب والبرلمان يطالب بتدخله
وفي موازاة ذلك، قال النائب هشام الحصري إن الزيادة من 18 ألف جنيه إلى نحو 48 ألفا غير منطقية، وطالب بالكشف عن المعايير التي اعتمدتها الهيئة ومراعاة أوضاع صغار المزارعين.
كذلك، وصف النائب صابر عبد القوي القرار بأنه ظلم للمزارعين، بينما دعا محمد النبوي إلى التراجع عنه، وحذر لطفي شحاتة من الإفراط في التسعير وسط وجود أعداد كبيرة من المستأجرين غير القادرين.
ومن ناحية أخرى، أبدى الحصري عدم تفاؤله بردود رئيس الهيئة، واستشهد بأزمات قديمة لم تحسم رغم سنوات من المناقشات، وطالب باستدعاء الوزير أسامة الأزهري لحسم الملفات التي تؤرق المزارعين والمقيمين على الأراضي.
وعليه، يصبح غياب الوزير عن صدارة الأزمة جزءا من المشكلة، فالمزارعون يصرخون من الإيجارات والغرامات وتعقيدات الاستبدال، بينما تظل المعالجة موزعة بين لجان واجتماعات لا توقف الزيادات ولا تقدم حلا نهائيا.
وفي المحصلة، تكشف الأزمة فجوة بين خطاب الدولة عن دعم الفلاح والواقع الذي يطالبه بإيجار يصل إلى 55 ألف جنيه، ثم يتركه يتحمل كلفة الإنتاج كاملة في سوق لا تضمن عائدا مستقرا.
وأمام ذلك، لا تبدو مطالب التدرج وإعفاء المتعثرين ترفا، بل حدا أدنى لمنع خروج صغار المزارعين من الأرض، والحفاظ على الإنتاج المحلي، ووقف تحويل أراضي الأوقاف إلى اختبار مالي لا ينجح فيه إلا الأقوى.
وفي النهاية، تبقى المسؤولية أمام أسامة الأزهري واضحة، فإما مراجعة الأسعار وكشف أسس التقييم ورفع الغرامات عن المتعثرين، أو استمرار سياسة تدفع الفلاحين إلى ترك الأرض وتفتح بابا جديدا لضرب الريف والأمن الغذائي.

