كشفت شكاوى أهالي المنطقة الصناعية الثالثة بمدينة العاشر من رمضان عن 3 حالات سقوط في بئر صرف صحي مكشوف، آخرها اختفاء عامل يبلغ 58 عاما، بعدما جرفه التيار داخل الشبكة دون العثور على جثمانه.

 

ويفضح تكرار الموت داخل مدينة صناعية كبرى عجزا إداريا فادحا، إذ تترك الجهات المسؤولة فتحات الصرف بلا أغطية، ثم تدفع الأسر وحدها ثمن الإهمال، بينما تتحول أبسط إجراءات الحماية إلى مطلب مؤجل.

 

وتتجاوز الواقعة حادثا فرديا، لأن الشهادات المحلية تتحدث عن بلاعات وآبار مكشوفة في أكثر من موقع، وسط إضاءة ضعيفة وتحذيرات بدائية، بما يجعل السير ليلا مخاطرة يومية ويضع الأطفال والعمال والمارة أمام خطر دائم.

 

بئر يبتلع أشرف ورجلان سبقاه دون أن يتحرك أحد

 

وتعود أحدث المآسي إلى سقوط أشرف علي محمد يونس، البالغ 58 عاما، ويعمل تباعا على سيارة نقل ثقيل، في بئر صرف بالقرب من مصنع الحديد والصلب على طريق مصر الإسماعيلية.

 

وبحسب شهود العيان، كان الرجل يسير متحدثا في الهاتف المحمول، فلم ينتبه إلى فتحة البئر المكشوفة، قبل أن يسقط داخلها ويجرفه التيار في شبكة الصرف، بينما لم يظهر منه سوى فردة حذاء.

 

ومنذ وقوع الحادث، لم تنجح محاولات البحث في الوصول إلى الجثمان، لتتحول الواقعة من سقوط يمكن منعه بغطاء إلى مأساة ممتدة لأسرة تنتظر، ومسؤولين يواجهون سؤالا لا يحتاج إلى لجان.

 

وقبل أشرف، سقط رجلان آخران في البئر نفسه خلال فترات مختلفة، وفق روايات الأهالي، ومع ذلك بقيت الفتحة مفتوحة، بما يعني أن التحذير سبق الكارثة، وأن الخطر كان معروفا ولم يكن مفاجئا.

 

وفي المقابل، يعتمد الموجودون في المنطقة على أحجار أو علامات مؤقتة بجوار الفتحات، بدلا من أغطية ثابتة، وهو إجراء بدائي لا يحمي عابرا مشتتا ولا عاملا يسير ليلا في منطقة ضعيفة الإضاءة.

 

وعلى هذا الأساس، يكتسب طرح الاستشاري أحمد عبد الستار معنى مباشرا حين يعتبر أن الحوادث نتيجة تقصير وليست قدرا، لأن إزالة مصدر الخطر قبل وقوع الكارثة أبسط من البحث عن الضحية بعد سقوطها.

 

وفوق ذلك، لا يمكن تحميل الهاتف المحمول مسؤولية المأساة الأساسية، فالمارة قد يتشتتون أو يضعف انتباههم، لكن واجب الإدارة أن تمنع تحول خطأ عابر إلى موت، عبر تأمين المرافق العامة وإغلاق الفتحات الخطرة.

 

لهذا، تكشف مأساة أشرف أن الغطاء المفقود ليس تفصيلا فنيا، بل حاجز حياة غاب رغم تكرار السقوط، بينما بقيت المنطقة تحت رحمة حلول مؤقتة لا تساوي شيئا أمام قوة تيار شبكة الصرف.

 

شكاوى وحجارة بدل الأغطية وخطر مفتوح أمام الأطفال

 

كما اشتكى سكان المجاورة 27 من بلاعة مكشوفة أمام مزار مول خلف مستشفى الغندور، مؤكدين استمرار الخطر رغم الشكاوى المتكررة، بما يهدد المارة بالسقوط، ويضاعف القلق على الأطفال الذين قد يقتربون منها.

 

وبالتالي، لا يبدو الأمر محصورا في نقطة واحدة بالمنطقة الصناعية، بل يكشف نمطا أوسع من ترك الفتحات الخطرة دون تأمين، وهو ما ينقل القضية من حادث عابر إلى أزمة إدارة ومتابعة يومية.

 

ومن ناحية أخرى، يفترض أن تبدأ الاستجابة من الحصر الفوري لكل الفتحات المكشوفة وتغطيتها، لا من انتظار بلاغ جديد، لأن الشكوى بعد تعدد الضحايا تصبح دليلا على خلل مؤسسي لا مجرد تأخر عارض.

 

وفي هذا السياق، يرى خبير الإدارة المحلية حمدي عرفة أن التفتيش والمتابعة وحدهما لا يكفيان لمواجهة مخالفات المحليات، وأن اتساع الوحدات يتطلب رقابة فعالة ومحاسبة للمقصرين بدل ترك الشكاوى تدور بلا نتيجة.

 

وعليه، تطرح شكاوى العاشر من رمضان سؤال المسؤولية بين شركة المياه وجهاز المدينة ومحافظة الشرقية، لأن تعدد الجهات لا يجوز أن يتحول إلى ستار يضيع خلفه الواجب، بينما يظل الخطر مفتوحا أمام الناس.

 

كذلك، فإن وضع أحجار حول فتحة عميقة لا يمثل حماية، بل اعترافا بوجود خطر دون إزالته، وهو ما يجعل المسؤولية أشد حين يكون الموقع معلوما، والشكاوى متكررة، والحوادث السابقة موثقة بين السكان.

 

وبالمثل، يؤكد أستاذ التخطيط العمراني سيف الدين فرج أهمية الصيانة والمتابعة الدورية في تقليل الحوادث، وهي قاعدة تجعل ترك بئر مكشوفة بعد سقوط ضحايا سابقين صورة مباشرة لانهيار أبسط واجبات الوقاية.

 

غير أن غياب الإضاءة الكافية يضاعف الخطر، لأن الفتحة المكشوفة قد تختفي في الظلام، بينما لا توفر الحجارة والعلامات المؤقتة حماية حقيقية لعامل مرهق أو طفل أو زائر لا يعرف طبيعة المكان.

 

ومن ثم، يصبح استمرار الشكاوى بلا معالجة فعالة دليلا على أن حياة الناس ما زالت أقل أولوية من الروتين، وأن الجهات المعنية لا تتحرك بالسرعة نفسها التي يتحرك بها تيار الصرف لابتلاع الضحايا.

 

4 عمال ماتوا من قبل والمدينة تنتظر الضحية التالية

 

وسبق أن شهدت المدينة في أبريل 2025 مأساة أخرى، حين سقط 4 عمال، بينهم 3 أشقاء، داخل فتحة خزان صرف صحي مكشوفة بمنطقة 6 مليون، بينما أصيب شقيقهم الخامس ونقل إلى المستشفى.

 

وبعد ذلك، تبين أن الضحايا عمال يومية من أولاد علي بمحافظة سوهاج، وهو ما يضيف بعدا اجتماعيا قاسيا، لأن من خرجوا بحثا عن الرزق عادوا جثامين بسبب فتحة كان يفترض تأمينها.

 

وأمام هذه الوقائع، يصعب التعامل مع كل وفاة باعتبارها حادثا منفصلا، لأن النمط واحد تقريبا: فتحة مكشوفة، تحذير غائب أو ضعيف، ضحية تسقط، ثم غضب مؤقت من دون حل يمنع التكرار.

 

ولذلك، فإن المسؤولية لا تنتهي بوضع غطاء بعد انتشار الخبر، بل تبدأ بمحاسبة من ترك الخطر قائما، ومراجعة جميع الآبار والبلاعات، وتحديد جدول صيانة واضح، ونشر نتائج التحرك أمام السكان.

 

وفي المحصلة، لا تحتاج العاشر من رمضان إلى بيانات تعزية جديدة، بل إلى أغطية حقيقية ورقابة يومية وإنارة مناسبة ومحاسبة علنية، لأن كل يوم يمر على فتحة مكشوفة هو فرصة جديدة لموت يمكن منعه.

 

وأخيرا، تكشف بلاعات الموت فشلا يتجاوز قطعة حديد مفقودة، فحين تتكرر الوفيات وتستمر الشكاوى ولا تغلق الفتحات، يصبح الإهمال سياسة واقعية يدفع ثمنها العمال والأطفال والمارة من أرواحهم أمام الجميع.

 

وفي النهاية، يبقى السؤال أمام شركة المياه وجهاز المدينة ومحافظة الشرقية مباشرا: كم ضحية أخرى تحتاجها الجهات المسؤولة حتى تغطي الآبار، وتوقف مسلسل السقوط، وتثبت أن حياة الناس ليست أقل قيمة من غطاء صرف.