كشف طلب إحاطة واحد قدمه النائب عصام العمدة داخل مجلس النواب في القاهرة انفجار أزمة امتحانات الثانوية العامة، بعدما تحولت شكاوى صعوبة الكيمياء والعربية إلى غضب سياسي واسع، انتهى بالمطالبة باستدعاء الوزير وتشكيل لجنة تقصي حقائق.
وبالتالي لم تعد الأزمة مجرد امتحان متعثر أو زمن ناقص، بل صارت عنوانا لفشل رسمي أفقر البيوت نفسيا، ووضع مستقبل الطلاب في قبضة إدارة باردة تتصرف كأن الرعب الجماعي تفصيل عابر لا يستحق المحاسبة.
كما أن الغضب النيابي لم يهبط من فراغ، بل خرج من لجان امتلأت بالارتباك، وبيوت عاشت أياما ثقيلة تحت ضغط سؤال واحد قاس، لماذا تحولت الثانوية العامة من بوابة أمل إلى موسم خوف منظم.
لزيادة وضوح الصورة، فإن الفضيحة انكشفت في مستويين متلازمين، أولهما امتحانات طويلة ومربكة، وثانيهما أثر نفسي خانق جعل الأسرة كلها تدخل الامتحان بعقلية النجاة لا بعقلية التعلم، وهو ما فضح هشاشة المنظومة التعليمية.
لذلك بدا التحرك البرلماني تعبيرا متأخرا عن وجع عام، لأن الطلاب لم يشتكوا من صعوبة عابرة، بل من هندسة امتحانية مختلة تلتهم الوقت، وتدفع الممتحن إلى الجري الأعمى بدل التفكير الهادئ والقياس المنصف.
امتحان يلتهم الوقت ويكسر العدالة
في المقابل لم يكن الاعتراض منصبا على فكرة التطوير نفسها، بل على طريقة تنفيذها الفظة، حين صار الامتحان اختبارا للأعصاب وسرعة الالتقاط، لا أداة عادلة لقياس الفهم والتحصيل، ولا معيارا نزيها يساوي بين الطلاب.
ثم إن الشكاوى الخاصة بالعربية والكيمياء كشفت خللا مركبا، فطول الورقة وارتفاع مستوى التحليل والربط بين الجزئيات جعلا الزمن المحدد أضيق من أن يحتوي الإجابة والمراجعة، وهي فجوة لا تفسرها البيانات الرسمية الباردة.
كذلك فإن عجز عدد كبير من الطلاب عن استكمال الإجابة داخل اللجان لم يقدم بوصفه دليلا على ضعفهم، بل بوصفه مؤشرا على خلل في إعداد الورقة نفسها، وفي تقدير الزمن اللازم لها، وفي فهم واقع اللجان.
وإذ يحضر الدكتور عاصم حجازي في هذا المحور، بوصفه أستاذا لعلم النفس والقياس والتقويم التربوي، فإن خبرته تذكر بأن إدارة الوقت ووضوح التعامل مع ورقة الإجابة ليست تفصيلا فنيا، بل جزء أصيل من العدالة التقييمية.
هكذا تبدو الوزارة متناقضة مع نفسها، فهي تعلن استعدادات واسعة وخططا محكمة، بينما تخرج اللجان بوقائع ارتباك وغضب وانهيار، لتنكشف الفجوة الفادحة بين الخطاب الإداري اللامع والواقع التعليمي القاسي الذي يعيشه الطلاب فعلا.
في المحصلة لم يتولد الإحساس بالظلم من صعوبة الأسئلة وحدها، بل من شعور عام بأن الطالب يواجه سباقا مفخخا، وأن المطلوب منه أن ينجو من الفخ الزمني قبل أن يثبت فهمه أو جودة استعداده.
من جهة أخرى زاد استمرار الغش الإلكتروني من تلويث المشهد، لأن السلطة التي عجزت عن حماية الامتحان من الاختراق، بدت في الوقت نفسه أكثر قدرة على الضغط على الملتزمين، لتصبح العدالة التعليمية مجرد شعار بلا مضمون حقيقي.
فوق ذلك تحولت البيوت المصرية إلى غرف طوارئ مفتوحة، لا ينام فيها القلق ولا تغيب فيها المراجعات المرتبكة، بينما تراقب الأسر أبناءها بعين الخوف من الانهيار أكثر من خوفها من ضياع الدرجات أو تبدد الأحلام.
البيوت تحت الحصار النفسي
تبعا لذلك يكتسب البعد النفسي مركزية كاملة في هذه الأزمة، لأن الامتحان حين يخل بتوازنه يفقد وظيفته التعليمية، ويتحول إلى ماكينة ضغط تستنزف الذاكرة والتركيز والثقة بالنفس، وتدفع الطالب إلى الحضور إلى اللجنة مهزوما مسبقا.
بهذا المعنى تبدو ملاحظة الدكتور محمد المهدي حاسمة، إذ يؤكد أن السلام النفسي ليس رفاهية للطالب، وأن غيابه يضرب التفكير السليم وتنشيط الذاكرة والدقة في التفاصيل، أي يضرب أدوات الأداء نفسها قبل بدء الإجابة.
في السياق نفسه يعيد الدكتور تامر شوقي توصيف المشهد من زاوية نفسية تربوية، حين يربط رهبة الامتحانات بضعف التركيز وضياع أثر الجهد المبذول طوال العام، وهو ما يفسر بكاء طلاب وانهيار آخرين داخل اللجان.
أكثر من ذلك لا يمكن فصل توتر الطلاب عن توتر الأسر، لأن البيت المصري صار شريكا كاملا في الامتحان، يحمل عبء الدروس والكلفة والانتظار، ثم يواجه في النهاية ورقة قد تهدم شهورا من الاستعداد المضني.
بالمقابل يلفت الدكتور محمد سعد النظر إلى الجانب الإنساني في أحلام الأسر، مؤكدا أن طموح الآباء مشروع، لكن تحويل هذا الطموح إلى ضغط دائم يخلق مناخا خانقا يضاعف قسوة الامتحان، ويجعل الفشل المحتمل كارثة منزلية.
عند هذه النقطة يصبح الحديث عن الإغماء والبكاء والقلق أمرا مفهوما، لا باعتباره مبالغة عاطفية، بل بوصفه عرضا مباشرا لمنظومة دفعت الطالب إلى الخوف من دخول الامتحان أكثر من تطلعه الهادئ إلى مستقبله الدراسي.
إضافة إلى ما سبق فإن الوزير لا يواجه فقط انتقادا فنيا، بل يواجه مسؤولية سياسية وأدبية عن موسم كامل تكررت فيه الشكاوى والضغوط، ولم يعد ممكنا ستره بردود إعلامية جاهزة أو وعود عامة بلا مراجعة.
المساءلة لا البيانات
بيد أن استدعاء الوزير لن تكون له قيمة حقيقية إذا تحول إلى جلسة امتصاص غضب، لأن المطلوب مساءلة فعلية تكشف كيف وضعت الامتحانات، وكيف قيس زمنها، ولماذا استمرت الاختلالات نفسها رغم اتساع الشكاوى عاما بعد عام.
هنا تصبح لجنة تقصي الحقائق ضرورة لا ترفا، لأنها وحدها القادرة على مراجعة معايير إعداد الأسئلة، وآليات اعتمادها، والعلاقة بين مستوى الورقة والزمن المخصص، ومصير إجراءات التأمين التي فشلت في وقف الغش.
في النهاية لا يحتمل مستقبل الطلاب إدارة مرتجلة تتعامل مع الامتحان كملف علاقات عامة، بينما يخرج آلاف الأسر من كل يوم امتحاني محملين بالخذلان، ومقتنعين بأن الدولة تختبر قدرتهم على الاحتمال أكثر من قدرتهم على الفهم.
أخيرا إذا ثبت وجود قصور جسيم في هذا الملف، فإن الحد الأدنى من احترام المسؤولية يقتضي قرارا سياسيا واضحا يفتح باب الإصلاح الحقيقي، لأن بقاء الفشل بلا حساب يعني إعادة إنتاج الكابوس نفسه في المواسم المقبلة.

