كشف مجلس النواب في القاهرة مطلع يوليو 2026 ملامح مشروع قانون جديد لتنظيم العمل عبر المنصات الرقمية، بعد عام من صدور قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، لتظهر النتيجة واضحة: اعتراف جزئي بالسوق، وفراغ تشريعي ما زال يبتلع حقوق العاملين.
ثم يتجاوز الأمر مجرد تأخر إداري إلى مشهد سياسي أفدح، لأن الدولة التي تباهت بتأهيل الشباب للعمل الرقمي تركتهم عملياً بين بنوك تشكك في دخلهم، وضرائب تطاردهم، ومنصات تستطيع خنق أرزاقهم بقرار حساب واحد.
اعتراف متأخر ومسار حكومي غائب
وبينما سوقت الحكومة قانون العمل الجديد باعتباره نقلة نحو أنماط العمل الجديدة، ظل الاعتراف الوارد فيه عاماً ومرناً، من دون بناء نظام خاص يحدد مركز العامل المستقل رقمياً، ولا يضبط علاقته الفعلية بالمنصة أو العميل.
وفي المقابل، فإن المعلن حتى الآن ليس مشروعاً حكومياً شاملاً بجدول زمني واضح، بل طلب إحاطة أعقبته مبادرة برلمانية قدمها نائب، بما يكشف أن السلطة التنفيذية ما تزال تجر قدميها خلف السوق لا أمامه.
كما أن النص المنشور للمشروع يؤكد أن التحرك التشريعي جاء متأخراً بعد اتساع القطاع، إذ ينشئ قاعدة بيانات وطنية بوزارة العمل، ويفتح التسجيل الإلكتروني من دون رسوم، وهي خطوات كان ينبغي أن تسبق سنوات الفوضى لا أن تلحق بها.
ولذلك تبدو شهادة مزاولة العمل الحر الرقمي، التي يمنحها المشروع للعامل المسجل لاستخدامها أمام الجهات الحكومية والمصرفية والمالية، محاولة إسعاف متأخرة لمشكلة كانت الدولة تعرفها جيداً، لكنها تركتها تتعفن حتى صارت عائقاً يومياً أمام الناس.
ومن جهة أخرى، ينص المشروع على تسجيل المنصات العاملة داخل مصر والإفصاح عن بياناتها والالتزام بالقواعد المنظمة للعلاقة مع العاملين، وهو اعتراف ضمني بأن المنصات تعمل منذ سنوات في مساحة رخوة سمحت لها بفرض قواعدها الخاصة بلا مساءلة حقيقية.
كذلك يوجب النص الإفصاح عن الحقوق والالتزامات المالية وآليات احتساب المقابل قبل تنفيذ الخدمة، مع إنشاء مسار للتظلم من وقف الحسابات، وعدم جواز التعليق إلا بعد الإخطار وإتاحة الدفاع، إلا في حالات الغش أو الجرائم.
وفوق ذلك، يقترح المشروع لجنة وطنية دائمة برئاسة رئيس مجلس الوزراء أو من يفوضه، مع صدور اللائحة التنفيذية خلال 6 أشهر، لكن التجربة المصرية تقول إن اللجان الكثيرة كثيراً ما تكون بديلاً من الفعل لا أداة له.
الحماية المؤجلة وعقدة البنوك والضرائب
غير أن العقدة الحقيقية لا تبدأ من نصوص التسجيل، بل من التناقض الفج بين دولة تشجع العمل الرقمي في الخطب والبرامج، ثم تترك العامل الفرد يواجه وحده البنوك والضرائب وإثبات الدخل وكأنه متهم لا صاحب مهنة.
فعلياً، وثقت تقارير حديثة أن بعض البنوك أعادت تحويلات مالية صغيرة لعدم وجود صفة وظيفية واضحة، كما طلبت وثائق إضافية عند استقبال الأموال، وهو ما حول تحصيل الدخل نفسه إلى اختبار إذلال بيروقراطي متكرر.
وبالتوازي، يخضع العامل المستقل لالتزامات ضريبية ومحاسبية لا تتناسب دائماً مع دخل غير منتظم وعقود متقطعة، بما في ذلك متطلبات الملف الضريبي والفواتير والإقرار، من دون أن يحصل بالمقابل على حماية موازية أو خدمات تناسب هشاشة وضعه.
لهذا يرى كثيرون أن التسجيل الرسمي صار في صورته الحالية باباً للجباية أكثر منه باباً للحماية، وهو شعور غذته سنوات من ترك العاملين خارج الاعتراف المهني، ثم مطالبتهم فجأة بالامتثال الكامل حين يتعلق الأمر بالمال.
وعلى هذا الأساس تكتسب ملاحظة الخبيرة الاقتصادية أوما راني وزناً خاصاً، فهي تؤكد أن التحولات الرقمية منذ 2016 تفرض تقوية المؤسسات العمالية والاجتماعية لمواجهة اللامساواة، لا الاكتفاء بإدماج شكلي يترك جوهر الاختلال قائماً.
وبالمثل، شاركت أوما راني في بحث لمنظمة العمل الدولية خلص إلى أن التحديات التنظيمية في المنصات العابرة للحدود لا يمكن علاجها باستجابات وطنية منفردة فقط، لأن طبيعة هذا العمل تتجاوز الحدود وتحتاج إطاراً أوسع للحقوق الدنيا.
أما فاليريو دي ستيفانو فذهب أبعد من ذلك حين حذر، في بحث مرجعي لمنظمة العمل الدولية، من تحويل هذا العمل إلى سلعة مجردة، ودعا إلى الاعتراف الكامل به كعمل، وتوسيع الحقوق الأساسية بصرف النظر عن الوصف التعاقدي.
ومن ثم، فإن الاكتفاء باشتراك اختياري في التأمينات والتأمين الصحي داخل المشروع يبدو أقل من مستوى الخطر، لأن الحماية حين تصبح اختيارية في سوق غير متوازن تتحول غالباً إلى امتياز للنادرين لا حق للملايين.
معايير العدالة ومن يحكم المنصات
وفي السياق الدولي، جاءت اتفاقية منظمة العمل الدولية المعتمدة في يونيو 2026 لتؤكد أن التصنيف الصحيح لعمال المنصات والحماية الاجتماعية والحد الأدنى من الحقوق لم تعد ترفاً تشريعياً، بل معياراً دولياً يتقدم بينما تتباطأ القاهرة.
وفي هذا الإطار أيضاً، دعا الحقوقيون في مصر إلى تسريع اعتماد وتطبيق هذه المعايير، مؤكدين أن التصنيف يجب أن يستند إلى واقع الأجر والأداء لا إلى المسميات التي تفرضها الشركات، وهي نقطة مركزية لم يحسمها المشروع بوضوح كاف.
هنا تبرز أهمية ما يلفت إليه مارك جراهام، أستاذ جغرافيا الإنترنت في أكسفورد، حين يركز على سؤال من يستفيد ومن يُستبعَد عندما تندمج أماكن العمل في النظم الرقمية، وعلى شروط العمل الواقعة على الأطراف الاقتصادية.
ورغم ذلك، تواصل الدولة المصرية تقديم نفسها كراعية كبرى للاقتصاد الرقمي، مستندة إلى أرقام تدريب واسعة وفرص عمل على المنصات، بينما تكشف الوقائع أن البنية القانونية والتنظيمية ما زالت أضعف من أن تحمي من صنعتهم دعايتها الرسمية.
إضافة إلى ذلك، فإن المشروع وإن كان يحد من التعسف عبر آليات التظلم وواجبات الإفصاح، فإنه لا يحسم بما يكفي مسألة السلطة الخوارزمية للمنصة، أي من يحدد السعر والترتيب والظهور والعقوبة، ومن يراجع هذه القرارات فعلاً.
وعليه، فالمشكلة ليست في غياب بطاقة تعريف مهنية فقط، بل في غياب تصور متكامل لعلاقة العمل نفسها، لأن العامل قد يحمل شهادة رسمية من الوزارة، ثم يبقى عملياً خاضعاً لمنصة عابرة للحدود لا يفاوضها ولا يراقبها.
وفي المحصلة، يبدو أن السلطة تريد حصاد العملات الأجنبية وصادرات الخدمات الرقمية بأسرع وقت، لكنها لا تريد بالوتيرة نفسها بناء كلفة الحماية والرقابة والتمثيل، ولهذا ظل القطاع ينمو كمزرعة مفتوحة أكثر منه سوقاً عادلة.
لذلك فإن أي تشريع جاد يجب أن يربط التسجيل الضريبي بالخدمات الاجتماعية والاعتراف البنكي، ويجعل مسارات الطعن مستقلة، ويلزم المنصات بالشفافية الكاملة في الأجر والخوارزميات وقرارات الوقف، لا أن يكتفي بوعود تنظيمية فضفاضة.
وأخيراً، فإن تأخر الحكومة في تقديم مسار تنفيذي واضح لهذا الملف لم يعد مجرد بطء إداري، بل صار شراكة صامتة في إبقاء ملايين العاملين المستقلين بين الاستغلال والشك والابتزاز، بينما يواصل الخطاب الرسمي بيع وهم التحول الرقمي المكتمل.

