شهدت العاصمة الإيرانية طهران، انطلاق مراسم التشييع الرسمية للمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي، في حدث وصفته السلطات الإيرانية بأنه الأكبر منذ عقود، وسط مشاركة شعبية ضخمة وإجراءات أمنية غير مسبوقة، بينما تزامنت الجنازة مع تصريحات مثيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكد فيها أنه يتابع مراسم التشييع، معتبراً أنه كان يتوقع أن يكون الإيرانيون "يكرهون خامنئي"، لكنه فوجئ بمشاهد الحزن والبكاء التي رصدتها وسائل الإعلام.

 

وتأتي مراسم التشييع بعد أكثر من أربعة أشهر على مقتل خامنئي في اليوم الأول من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، وهي الحرب التي أعادت تشكيل موازين القوى في المنطقة، وأدت إلى تغييرات سياسية وعسكرية واسعة داخل الجمهورية الإسلامية، في وقت تحاول فيه القيادة الإيرانية الجديدة تأكيد تماسك مؤسسات الدولة وإظهار استمرار النظام رغم فقدانه الشخصية الأكثر نفوذاً منذ أكثر من ثلاثة عقود.

 

ترامب: أستطيع القضاء على جميع القادة الإيرانيين


وفي تصريحات أدلى بها لموقع "أكسيوس"، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه يتابع مراسم تشييع المرشد الإيراني، مضيفاً أنه فوجئ بمظاهر الحزن التي أبداها كثير من الإيرانيين.

 

وأوضح ترامب أنه كان يعتقد أن غالبية الإيرانيين يكرهون خامنئي، إلا أن صور الجنازة أظهرت مشهداً مختلفاً تماماً، قائلاً: "فوجئت بأن بعض الإيرانيين يبكون خلال الجنازة".

 

وأكد الرئيس الأمريكي أن الولايات المتحدة تمتلك القدرة على القضاء على جميع القيادات الإيرانية الحالية، لكنه أشار إلى أن القيام بذلك لن يخدم أي هدف سياسي، مضيفاً: "يمكنني القضاء على جميع القادة في إيران، لكن حينها لن يبقى أحد للتفاوض معه".

 

كما كشف ترامب أن واشنطن وطهران اتفقتا على هدنة مؤقتة في الاتصالات والمفاوضات تستمر أسبوعاً كاملاً، حتى انتهاء مراسم تشييع خامنئي، مؤكداً أن الجانبين لن يتبادلا أي عمليات عسكرية خلال فترة الجنازة.

 

وتعكس هذه التصريحات استمرار المساعي الأمريكية للحفاظ على قنوات التفاوض مع طهران، رغم التصعيد العسكري الذي شهدته المنطقة خلال الأشهر الماضية.

 

حضور جماهيري واسع منذ ساعات الفجر


ومنذ ساعات الفجر الأولى، بدأت حشود ضخمة بالتوافد إلى المصلّى الكبير في العاصمة طهران، حيث انطلقت المراسم الرسمية وسط انتشار كثيف لقوات الأمن والحرس الثوري والشرطة.

 

وارتدى معظم المشاركين الملابس السوداء، بينما رفعت الأعلام الإيرانية والرايات الحمراء وصور خامنئي في مختلف أنحاء موقع التشييع.

 

كما علت الهتافات المناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل، وردد المشاركون شعارات أبرزها "الموت لأمريكا" و"الموت لإسرائيل"، في حين حمل آخرون لافتات كتب عليها "انتقام" باللغتين الفارسية والإنجليزية، في رسالة تعكس استمرار الخطاب الإيراني الرافض للولايات المتحدة وحلفائها.

 

نعش خامنئي وإلى جواره أفراد من عائلته


وسُجّي نعش خامنئي داخل المصلّى ملفوفاً بالعلم الإيراني، فيما وُضعت عمامته السوداء فوق النعش، وإلى جانبه نعوش أربعة من أفراد أسرته الذين لقوا حتفهم معه خلال الضربة التي استهدفته في الثامن والعشرين من فبراير الماضي مع اندلاع الحرب.

 

وأظهرت مشاهد نقلتها وسائل الإعلام آلاف المشاركين وهم يرفعون قبضاتهم في الهواء، بينما علت التلاوات القرآنية والأدعية والأناشيد الدينية في مختلف أرجاء العاصمة.

 

مشاعر الحزن تسيطر على المشاركين


واتشح معظم المشاركين بالسواد، وبدت مشاهد التأثر والبكاء واضحة بين مختلف الفئات العمرية.

 

وقال رجل الدين محمد مير صالحي إن خامنئي "كان أباً لجميع الإيرانيين"، مضيفاً أن رحيله جعل الجميع يشعرون بأنهم أصبحوا أيتاماً، مؤكداً أنه "لا أحد يمكن أن يعوض مكانته".

 

كما دعا عدد من المشاركين إلى الانتقام لمقتله، حيث قال الطالب حميد رضا شباني إن الإيرانيين مطالبون بالثأر لدماء قائدهم، معتبراً أن المرحلة المقبلة تستوجب التكاتف في مواجهة الأعداء.

 

في المقابل، قال الأستاذ الجامعي رضا إنه حضر إلى مراسم التشييع "لإلقاء النظرة الأخيرة على المرشد"، مضيفاً أن الإيرانيين وعدوه بالبقاء إلى جانبه حتى النهاية، معتبراً أن الحشود المشاركة دليل على حجم التأييد الشعبي له.

 

السلطات تتوقع مشاركة عشرات الملايين


وأعلنت السلطات الإيرانية أن مراسم التشييع ستستمر ستة أيام كاملة، تشمل محطات داخل إيران والعراق قبل دفن الجثمان في مدينة مشهد شمال شرق البلاد.

 

وتوقعت الجهات الرسمية أن يتراوح عدد المشاركين في مراسم طهران وحدها بين 15 و20 مليون شخص، في واحدة من أكبر التجمعات الجماهيرية في تاريخ الجمهورية الإسلامية.

 

وللتعامل مع الأعداد الضخمة، نصبت السلطات نحو 400 خيمة للهلال الأحمر الإيراني، كما دفعت بعشرات صهاريج المياه إلى مختلف مواقع التجمعات لمواجهة درجات الحرارة المرتفعة التي تجاوزت 35 درجة مئوية.

 

 وتزامنت المراسم مع انتشار أمني كثيف في مختلف أنحاء العاصمة، حيث أقيمت حواجز أمنية ونقاط تفتيش، فيما بدا وسط المدينة أقل ازدحاماً من المعتاد نتيجة إعلان عطلة رسمية دفعت كثيراً من السكان إلى مغادرة العاصمة مؤقتاً.

 

كما أعلنت السلطات إغلاقاً جزئياً للمجال الجوي فوق طهران منذ الجمعة، على أن يتم إغلاقه بالكامل يوم الاثنين بالتزامن مع موكب نقل الجثمان.

 

رحلة الجثمان بين إيران والعراق


وبحسب البرنامج الرسمي، سيبقى جثمان خامنئي داخل المصلّى حتى يوم الاثنين، قبل أن ينطلق موكب جنائزي ضخم يجوب شوارع العاصمة.

 

وسينقل الجثمان بعد ذلك إلى مدينة قم، ثم إلى العراق لزيارة العتبتين العلوية والحسينية، قبل إعادته إلى إيران لدفنه في مدينة مشهد بجوار مرقد الإمام علي بن موسى الرضا، في مراسم ختامية مقررة في التاسع من يوليو.

 

ترقب لظهور مجتبى خامنئي


وتتجه الأنظار أيضاً إلى احتمال ظهور المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي خلال مراسم التشييع، في أول ظهور علني له منذ اندلاع الحرب.

 

وكان مجتبى قد تعرض لإصابة خلال العمليات العسكرية، قبل أن ينتخب مرشداً أعلى خلفاً لوالده في مارس الماضي، إلا أنه اكتفى منذ ذلك الوقت بإصدار بيانات مكتوبة دون المشاركة في أي مناسبات عامة.

 

ويرى مراقبون أن ظهوره في مراسم التشييع قد يحمل دلالات سياسية مهمة تتعلق بترسيخ شرعيته داخلياً وإظهار استقرار مؤسسات الحكم بعد واحدة من أخطر المراحل التي مرت بها الجمهورية الإسلامية.

 

وفود دولية وإقليمية تشارك في مراسم الوداع


وشهدت مراسم تقديم العزاء حضور وفود رسمية من عدد من الدول، تقدمها رؤساء السلطات الإيرانية الثلاث، وقادة عسكريون ظهر بعضهم للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب.

 

كما شارك رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، والرئيس الروسي السابق ديميتري ميدفيديف ممثلاً للرئيس فلاديمير بوتين، إضافة إلى وفود رسمية من السعودية وقطر ومصر وسلطنة عُمان، إلى جانب ممثلين عن حلفاء إيران في المنطقة.