لم تكن الكلمات التي قالها حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، عن معاناة الشعب الفلسطيني خلال المؤتمر الصحفي السابق لمواجهة الأرجنتين في دور الـ16 من كأس العالم 2026، موقفًا طارئًا فرضته لحظة إعلامية أو محاولة لاستثمار الأضواء العالمية المحيطة بالمونديال، بل جاءت امتدادًا لمسار طويل من المواقف المعلنة التي تعود إلى أكثر من ربع قرن، حين كان «العميد» لاعبًا في الملاعب ولم يكن قد بدأ بعد رحلته التدريبية.

 

منذ مطلع الألفية، ظهر ارتباط حسام حسن بالقضية الفلسطينية في أكثر من مناسبة، بدأت بإعلان نيته تخصيص جزء من الجائزة التي كان يسعى للفوز بها في برنامج «من سيربح المليون» لمساعدة أطفال فلسطين، ثم مشاركته في مباراة تضامنية ارتدى خلالها قميص المنتخب الفلسطيني وحمل شارة قيادته، قبل أن تعود القضية إلى الواجهة بقوة في كأس العالم 2026، عندما رفع علم فلسطين داخل أحد أكبر المحافل الرياضية في العالم، وأهدى إنجاز المنتخب المصري إلى الشعب الفلسطيني، ثم أطلق من منصة المؤتمر الصحفي رسالة إنسانية مطولة تجاوز صداها حدود كرة القدم.

 

 

 

 

من جائزة «من سيربح المليون» إلى قميص فلسطين وشارة القيادة

 

تعود إحدى أقدم الوقائع الموثقة لموقف حسام حسن من القضية الفلسطينية إلى عام 2001، عندما ظهر، وهو لاعب في صفوف الزمالك آنذاك، في برنامج «من سيربح المليون». وعندما سُئل عما سيفعله بالأموال التي يمكن أن يحصل عليها من البرنامج، أعلن أنه يرغب في تخصيص مساهمة مالية لعلاج الأطفال المصابين بالسرطان في مصر، إلى جانب مساعدة أطفال فلسطين وأفغانستان بسبب الظروف القاسية التي كانوا يعيشونها.

 

كانت تلك الكلمات تخرج من لاعب ما زال في قمة حضوره الكروي، وفي وقت لم تكن فيه مواقع التواصل الاجتماعي قد تحولت بعد إلى ساحة يومية لإعلان المواقف وجذب الاهتمام. لذلك بقي التسجيل القديم شاهدًا على أن القضية الفلسطينية كانت حاضرة في خطاب حسام حسن منذ سنوات بعيدة، قبل أن يصبح مدربًا للمنتخب وقبل أن يمتلك منصة إعلامية عالمية مثل التي وفرها له كأس العالم.

 

وبعد نحو عام، انتقل الموقف من الكلمات إلى الملعب. ففي عام 2002، أقيمت على استاد القاهرة مباراة ودية جمعت منتخبًا لنجوم العرب بالمنتخب الفلسطيني، بمشاركة عدد من أبرز نجوم كرة القدم العربية. وسجل حسام حسن أحد أهداف المباراة، لكن اللقطة الأبرز جاءت عندما ارتدى قميص منتخب فلسطين وحمل شارة قيادته خلال اللقاء.

 

كان للمشهد دلالة تتجاوز الطابع الرياضي للمباراة؛ فواحد من أبرز لاعبي الكرة المصرية والعربية ظهر بقميص فلسطين وعلى ذراعه شارة قيادة منتخبها.

وانتهى اللقاء بفوز منتخب نجوم العرب بنتيجة 3-2، لكن صورة حسام حسن بقميص المنتخب الفلسطيني بقيت واحدة من المواقف التي أعاد الجمهور استحضارها بعد تصريحاته الأخيرة في مونديال 2026.

 

 

 

وبين واقعة التبرع ومباراة التضامن، تشكلت مبكرًا ملامح موقف ظل حاضرًا في خطاب «العميد»: القضية الفلسطينية بالنسبة إليه ليست قضية سياسية بعيدة عن الرياضة، وإنما قضية إنسانية يرى أن صاحب الشهرة والمساحة الجماهيرية يستطيع أن يستخدم صوته من أجلها.

 

 

علم فلسطين في المونديال.. رسالة من قلب الإنجاز المصري

 

بعد قرابة ربع قرن على تلك المواقف، عادت الصورة نفسها بصورة أكثر قوة وانتشارًا، ولكن هذه المرة من قلب كأس العالم 2026. فبعد تأهل المنتخب المصري إلى دور الـ16 على حساب أستراليا بركلات الترجيح، ظهر حسام حسن داخل ملعب دالاس في ولاية تكساس رافعًا علم فلسطين وسط احتفالات المنتخب بالإنجاز التاريخي.

 

لم يكتف المدير الفني لمنتخب مصر بحمل العلم، بل وجّه عقب المباراة رسالة مباشرة إلى الشعب الفلسطيني، مؤكدًا أن قلبه معهم، ومتمنيًا لهم النصر والرحمة للشهداء، قبل أن يهدي الفوز إلى الشعبين المصري والفلسطيني. وتحولت الصورة سريعًا إلى واحدة من أكثر لقطات المنتخب المصري تداولًا، كما وجّه الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم الشكر إلى حسام حسن على موقفه.

 

وأثار رفع العلم جدلًا حول إمكانية تعرض المدرب المصري لعقوبة، قبل أن يؤكد الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» عدم وجود نية لمعاقبته، موضحًا أن لوائح البطولة تسمح برفع أعلام الاتحادات الوطنية الأعضاء، ومنها علم فلسطين، وفقًا لقواعد الملاعب والسلوك المعتمدة.

 

بهذا المشهد، انتقلت علاقة حسام حسن بالقضية الفلسطينية من تسجيل قديم في برنامج تلفزيوني ومباراة تضامنية إلى منصة يشاهدها الملايين حول العالم. كما اكتسبت اللقطة أهمية إضافية لأنها جاءت في لحظة فرح مصرية كبرى، اختار خلالها ألا يحصر الاحتفال في حدود الإنجاز الرياضي، بل أشرك فيه شعبًا قال إن قلبه وروحه معه.

 

 

«دعوا الشعب الفلسطيني يعيش».. الرسالة الأقوى من منصة كأس العالم

 

جاءت ذروة تلك المواقف في المؤتمر الصحفي السابق لمواجهة الأرجنتين في دور الـ16. وعندما سُئل حسام حسن عن رفعه علم فلسطين، لم يقدم إجابة مقتضبة أو دبلوماسية، بل تحدث مطولًا وبانفعال واضح عن معاناة الفلسطينيين.

 

وقال إن كل إنسان يمتلك مشاعر، وإن من لا يشعر بما يتعرض له الشعب الفلسطيني، سواء كان أوروبيًا أو أمريكيًا أو عربيًا أو من أي مكان في العالم، فقد جزءًا من إنسانيته. ثم عقد مقارنة قاسية بين سرعة تحرك العالم للدفاع عن الحيوانات عندما تتعرض للأذى، وبين الصمت على سقوط الأبرياء ومعاناة الأطفال والعائلات الفلسطينية.

 

وتحدث حسام حسن عن الفارق بين من يعيشون في بيوت مكيفة ويحصلون على الطعام والماء والنوم، وبين شعب يعيش في العراء والخيام، ويواجه نقص الغذاء والمياه وانتشار الأمراض. وطالب أصحاب القرار بأن يضعوا أنفسهم، ولو ليوم واحد، مكان هؤلاء الناس، حتى يدركوا حجم ما يعيشونه.

 

ووصف ما يحدث بأنه «عار على العالم»، منتقدًا ترك البشر يواجهون الموت والمعاناة بينما ينشغل العالم بقضايا أخرى. وفي نهاية حديثه، أعاد القضية إلى أبسط معانيها، بعيدًا عن تعقيدات السياسة والمصالح الدولية، مطالبًا فقط بأن يُسمح للشعب الفلسطيني بأن يعيش، وأن يحصل على الحياة والعدل والاحترام.

 

 

 

 

 

 

 

لم تكن تلك الرسالة منفصلة عن تاريخ الرجل. فمن إعلان مساعدة أطفال فلسطين في 2001، إلى ارتداء قميص منتخبها وحمل شارة قيادته في 2002، ثم رفع علمها وإهداء انتصار المونديال لشعبها في 2026، وصولًا إلى المؤتمر الصحفي أمام وسائل الإعلام العالمية، يظهر خط واحد ممتد في مواقف حسام حسن.

 

تغيرت الملاعب والسنوات والمناصب؛ من لاعب يسعى للفوز بجائزة مالية، إلى نجم يرتدي قميص فلسطين، ثم إلى مدير فني يقود منتخب مصر في أكبر بطولة كروية في العالم، لكن القضية بقيت حاضرة. ولهذا بدت كلماته الأخيرة، بالنسبة إلى كثيرين، أقل شبهًا بتصريح سياسي عابر، وأكثر تعبيرًا عن قناعة قديمة اختصرها في رسالة إنسانية واحدة: «دعوا الشعب الفلسطيني يعيش».